Enfin les Européens semblent ecouter les Islamistes du Maghreb
أخيرا.. بدأ الأوروبيون ينصتون للإسلاميين
15-10-2007 -
صلاح الدين الجورشي - تونس –
في تطور ملفت، شرعت "المفوضية الأوروبية" منذ الخامس والعشرين من شهر سبتمبر في عقد سلسلة من المنتديات الداخلية، التي تضم عددا من موظفي الاتحاد الأوروبي، وذلك للتعرف على ما يُـسمى بالإسلام السياسي.
وقد احتضنت العاصمة البلجيكية بروكسل أولى هذه اللقاءات التي التأمت مؤخرا، وحضرها ما بين أربعين وخمسين موظفا، وخصص السيمينار الأول للإطلاع على نماذج من دول المغرب، وشملت كلا من الجزائر والمغرب، حيث تم تأجيل النظر في الحالة التونسية إلى اللقاء الموالي.
سيتم الاستماع في هذه اللقاءات إلى خلاصات أبحاث سبق وأن أعدها فريق من الخبراء والمختصين في قضايا الحركات الإسلامية بطلب من مركز للدراسات السياسية مقره في بروكسل.
وقد حاولت هذه الأبحاث، التي ستصدر في كتاب باللغة الأنجليزية خلال الأسابيع القليلة القادمة، الإجابة عن سؤال محوري يتعلق بمدى استعداد هذه الحركات للشروع في التعاون مع الاتحاد الأوربي خلال المرحلة القادمة.
وإذا كان هذا النقاش قد بدأ في ورشة مغلقة قبل حوالي عشرة أشهر في مدينة إشبيلية الإسبانية، إلا أن الجديد هذه المرة هو دعوة بعض ممثلي هذه الحركات، لسماع وجهات نظرهم بشكل مباشر حول المسائل التي تهم الطرفين.
خطوات محتشمة نحو حوار اضطراري
تعتبر هذه المرة الأولى التي تقرّر فيها مؤسسات الاتحاد الأوروبي فتح حوار مباشر مع الحركات الإسلامية، دون أن يعني ذلك أن الاتحاد قد حسَـم نهائيا هذه المسألة، إذ أنه لا يزال في مرحلة التحسّس والتعرف على ما تفكر فيه الأطراف المقابلة.
وقد وصف أحد الذين حضروا جلسة "بروكسل" بالمفيدة، وأضاف بأنها وفّـرت للمشاركين فِـكرة أولية هامة، ولم يكن من باب الصُّـدفة أن تبدأ هذه الحوارات التحسيسية بدول المغرب العربي.
فمعظم الحكومات الأوروبية تربطها مصالح قوية بهذه المنطقة، خاصة دول جنوب المتوسط. فهذه الأخيرة، تتابع بقلق عودة العنف إلى الجزائر وتخشى من أن تنهار سياسة المصالحة التي أقدم عليها الرئيس بوتفليقة، كما أن هذه الحكومات تُـتابع باهتمام مُـتزايد ما يجري في المغرب، بعد أن حصل حزب العدالة والتنمية (حزب إسلامي معتدل) في انتخابات 7 سبتمتر على أعلى نسبة في الأصوات وأصبح يحتل الآن المرتبة الثانية في خارطة الأحزاب المغربية.
فإذا أضفنا إلى ذلك صعود الإخوان المسلمين من جديد في مصر وانقلاب موازين القِـوى الذي عرفته الساحة الفلسطينية، وما حققه حزب الله ضد العدوان الإسرائيلي الأخير على لبنان، كل ذلك وغيره بدأ يُـقنع الأوروبيين بضرورة التفكير في التعامل مع الحركات الإسلامية بشكل مختلف، أي فتح الحوار في مرحلة أولى، والتعاون في مرحلة ثانية، إذا ما أدّى الحوار إلى توفير أرضية مشتركة.
رهان على الحركات المعتدلة
مؤسسات الاتحاد الأوروبي وموظفيها حذرون من كل اتصال مباشر بحركات الإسلام السياسي. إنهم يخشون ردود فعل أصدقائهم من حكومات ونخب قريبة منهم، كما أنهم حريصون على عدم محاورة من يوصفون بالراديكاليين أو المتهمين بالإرهاب.
وبناء عليه، يفضلون في هذه المرحلة التعامل مع الحركات التي يمكن أن توصف بالاعتدال. وأهم ما يطلبونه في هذا السياق أن تكون هذه الحركات لا تنتهج العنف أسلوبا في التغيير، وأن تعلن قبولها بقواعد اللعبة الديمقراطية، وأن تكون قابلة بمبدأ التعاون مع أوروبا.
فالنسبة للمغرب، يعتبر ( حزب العدالة والتنمية ) الأكثر أهمية من الناحية السياسية. وقد أبدت قيادته الاستعداد للحوار والتعاون مع الاتحاد الأوروبي. وهي ترى أن نماذج الديمقراطية الأوروبية تشكل مصدرا مهما للاستفادة منه، ولا تؤمن بالقطيعة الثقافية مع أوروبا أو الغرب.
بل هذا الحزب حرص ولا يزال على أن طمأنة أوروبا، وبالأخص الدول الرئيسية التي لها مصالح هامة في المغرب بأنه لا ينوي تهديد هذه المصالح، بل هو يعمل على تطويرها، وهو ما حاول أن يبلغه الأمين العام للحزب سعد الدين العثماني بشكل مباشر خلال جولاته السابقة التي قادته إلى عدد من هذه الدول، وفي مقدمتها إسبانيا وفرنسا.
أما بالنسبة للجزائر، فتشكل حركة مجتمع السلم النموذج المفضل أوروبيا لإدارة مثل هذا الحوار، بحكم أنها شريك في السلطة، إضافة إلى كونها تنطلق من تراث فكري وسياسي منذ عهد مؤسسها الشيح محفوظ نحناح يقبل الانفتاح على الغرب، وخاصة أوروبا. كما أن تجربتها في الحكم، جعلتها من أكثر الحركات الإسلامية الجزائرية برغماتية.
إن مؤسسات الاتحاد الأوروبي متوقفة عند نموذجين، تجد صعوبة كبيرة في التعامل معهما بشكل سياسي مباشر. أولهما نموذج " حركة حماس " التي لها حضورها الواسع في الشارع الفلسطيني، لكنها موقفها من إسرائيل وتمسكها بمنهج المقاومة، جعل الأوربيين يرون في ذلك خطوطا حمراء، تتعارض مع نظرتهم للصراع والأمن في الشرق الأوسط.
أما النموذج الثاني، الذي يتقاطع مع المثال السابق هو بالتأكيد " حزب الله ". ومع ذلك فقد إدراج التنظيمين في اهتمامات الاتحاد الأوروبي، نظرا لاستناد كل منهما على الشرعية الديمقراطية في الوصول إلى السلطة، إلى استعدادهما للحوار مع أوروبا والتعاون معها. لكن الأمر يحتاج إلى وقت أطول، وظروف إقليمية ودولية أحسن.
حركة النهضة تتفاعل مع النموذج الأوروبي
للإجابة على هذا السؤال، يمكن اتِّـخاذ حركة "النهضة" التونسية مثالا يُـقاس به، إذ أثبتت الدراسات التي أنجِـزت بأن معظم الحركات الإسلامية في المنطقة العربية متشابهة نِـسبيا في مقارباتها وموقفها من أوروبا وسياساتها.
ولدت الحركة الإسلامية التونسية، مثلها مثل بقية الحركات المشابهة، مناهضة للغرب ومعادية لاختيار "الأوربة"، أي سياسة الإقتداء بأوروبا واتخاذها "نموذجا" للتقدم.
وقد شكل هذا البُـعد أحد الأسباب الرئيسية للصِّـراع الثقافي والسياسي بين حركة "النهضة" من جهة و"النظام البورقيبي" من جهة أخرى، لكن قادة الحركة اليوم ينظرون إلى أوروبا بشكل مختلف عن نظرتهم السابقة، خاصة بعد أن اضطُـر العديد منهم إلى مُـغادرة البلاد والاستقرار في العديد من الدول الأوروبية والغربية، التي فتحت لهم أبوابها ومنحتهم حق اللجوء السياسي.
عندما سُـئل بعض الكوادر القيادية لحركة النهضة عن موقفهم من الديمقراطية الأوروبية مقارنة مع الديمقراطية الأمريكية، أكّـدوا على أنهم أميَـل للتفاعل مع الديمقراطيات الأوروبية رغم "بعض النقائص أو التحفظات التي لهم عليها".
وبالرغم من أن حمادي الجبال، القيادي البارز في الحركة قد غادر السِّـجن بعد قضاء أكثر من ستة عشر عاما رَهن الاعتقال، إلا أنه، استنادا إلى السنوات التي قضاها في فرنسا لاستكمال دراسته الجامعية، يعتقِـد بأن النموذج الأوروبي الذي عايشـه عن قرب "يُـعتبر الأقرب في تحقيق سيادة الشعب على نفسه" ويوفر "تعدّدا حقيقيا للأحزاب بمختلف توجهاتها، الفكرية والسياسية والاجتماعية، حيث نجِـد من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار ومن البروليتاري إلى الرأسمالي ومن الغني إلى الفقير ومن الليبرالي إلى المحافظ".
أما أهم ما في النظام الديمقراطي، فهو يثمثل عند السيد عامر العريض، رئيس المكتب السياسي للحركة في "قدرته على امتِـصاص الصِّـراعات العنيفة حول السلطة ووضع أسُـس التعايش السلمي بين القوى المتنافسة، فضلا عن قيامه على مفهوم المواطنة".
ويلاحظ سيد الفرجاني، وهو قيادي آخر لاجئ حاليا في بريطانيا، أن النموذج الديمقراطي الأوروبي ليس واحدا، ويقول بأن "هناك فروق هامة بين الديمقراطية عند أوروبيي البحر الأبيض المتوسط وبين البلدان الإسكندنافية وبريطانيا".
ونظرا لمحورية البُـعد الديني عند الإسلاميين، فإن تفاعلهم مع النماذج الديمقراطية يكون بقدر تعامل هذه النماذج إيجابيا مع الدِّين ودوره في المجتمع، ولهذا يميِّـز الفرجاني بين ما يُـسميه بـ "الديمقراطيات المتشدّدة ضد الدِّين، مثل اللائكية الفرنسية والدنمركية، وبين الديمقراطية البريطانية والسويدية، وإلى حد ما البلجيكية، التي تتعامل بسهولة مع الدِّين، رغم اختلافها فيما بينها في ذلك".
وإذ تجيز كوادر حركة النهضة مبدأ "الاقتباس من النموذج الديمقراطي الأوروبي"، لكن راشد الغنوشي، رئيس الحركة، يشترط بأن يكون هذا الاقتباس في خِـدمة المرجعية الإسلامية و"ليس للحلول محلها"، واعتبر من سلبيات النظام الديمقراطي، التي يجب الحذر منها "الفلسفة المادية والقِـيم العِـلمانية الدُّنيوية البحتة، التي غدت بطول الإلف، وكأنها جزء من هوية النظام الديمقراطي"، وهو ما أدّى، حسب رأيه، إلى ما وصفه بـ "الانفلات الديمقراطي من عالم القِـيم إلى قيمة الرِّبح والإنتاج"، وهي القيم التي "تسارع إليها، التفتت بتسارع معدّلات العلمنة" حسب رأيه.
لكن علي العريض حاول أن يرفع الالتباس بالإشارة إلى أنه "إذا كانت الديمقراطيات الغربية قد أفرزت سلبيات مثل تفكّـك الأسرة ومشاكل المخدّرات وانتشار مظاهر الإدمان... فلا ينبغي ربط السلبيات بها، لأن هذه الآفات موجودة أيضا في البلدان ذات النّـظم الديكتاتورية وفي الدول الغنية والفقيرة".
الإسلاميون يعترفون بالجميل.. لكن
عندما سألنا الغنوشي، المقيم كلاجئ سياسي في بريطانيا، حول مدى قيام الاتحاد الأوروبي بالدفاع عن الحقوق السياسية للإسلاميين، سارع بالإجابة "ليس لدي ما أعِـيبه في سياسة دول الاتحاد في موضوع الإسلاميين اللاجئين، غير سنِّها لقوانين الإرهاب"، وأضاف أنه في العموم "يعتبر إيجابيا ملف دول الاتحاد إزاء اللاجئين الإسلاميين، فقد صمَـدت في وجه طلبات حلفائها من الدكتاتوريات العربية في سدّ باب اللجوء في وجه ضحاياه من المعارضين الإسلاميين، وبعض تلك الطلبات المتكرّرة جاءت في ظروف عصيبة، كتلك التي تلت أحداث 11 سبتمبر".
ولاحظ رئيس حركة النهضة (المحظورة في تونس) أنه "لئن تمكّـنت أنظمة القمع من استلام عدد من الإسلاميين، وبالخصوص في إيطاليا وبعض البلاد الأخرى، فقد فشلت في تحقيق ما ترجوه من إدراج كل الإسلاميين في قوائم الإرهاب وتسليمهم لدولهم بالجملة"، كما أن "كثيرا من هؤلاء المعارضين التونسيين تمّ تمكينهم من حمل جوازات وجِـنسيات الدول، التي لجؤوا إليها، وأمكن لهم أن يندمِـجوا هم وأسَـرهم، سواء منهم من تابع دراساته العليا أو اندمج في سوق الشغل أو واصل النِّـضال من أجل قضيته في وطنه الأصلي".
وأشاد الغنوشي أيضا بدول الاتحاد الأوروبي، التي أمكن لها أن "تميِّـز بين مجموعات إسلامية تتبنّـى العنف وبين معارضة إسلامية سِـلمية فتحت أمامها أبواب الاندماج، ولم تسمع فيها قولا ولم تُـلق بالا للملفات التي تصطنعها أجهزة الأمن في دول المنشأ، رغم أن بعض أجهزتها الأمنية متفاعلة إيجابيا مع نظيرتها التونسية في رمي حركة مثل النهضة بالإرهاب"، وهو سعيد بأن حركته "لم توضع على أي قائمة من قوائم الإرهاب في دولة أوروبية، بل في العالم كله" ما عدا في تونس.
في مقابل إشادة الغنو