Pour quand l'alternance en Tunisie

Publié le par BOUCHADEKH Abdessalem

 

تونس من الاستقلال إلى اليوم
تونس : رئيسان فقط في خمسين سنة من الجمهورية ...
هل حانت ساعة التداول على السلطة؟
18-8-2007-
رشيد خشانة

بين الذكرى الخمسين لإعلان الجمهورية وانتخاب الحبيب بورقيبة أول رئيس لتونس في 25 تموز (يوليو) الماضي، والذكرى العشرين لوصول سلفه زين العابدين بن علي إلى سدة الرئاسة في 7 تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل يعيش البلد مخاضا عسيرا بين منح ولاية خامسة لبن علي في الإنتخابات المقررة لسنة 2009 أو وضع البلد على سكة الإصلاحات السياسية والدستورية.

في بداية مسرحية "خمسون" التي حظرتها الرقابة طيلة أشهر قبل أن تُضطر لإجازتها تتحدث مريم عن تجرتها الطويلة مع جدران غرف التحقيق منذ اعتقال والدها الذي كان مناصرا للزعيم الوطني صالح بن يوسف، غريم الرئيس الحبيب بورقيبة في أواخر الخمسينات، إلى اعتقال زوجها اليساري في الستينات والسبعينات ثم سجن شقيقها الكادر النقابي في أعقاب الإضراب العام الذي شنه الإتحاد العام التونسي للشغل (اتحاد النقابات) في مطلع 1978، وصولاً الى التحقيق مع ابنتها في سنة 2005 للإشتباه بضلوعها في عمليّة انتحارية في المعهد الذي تُدرس فيه، تزامنت مع استضافة تونس القمة العالمية لمجتمع المعلومات.

من العلامات الحبلى بالدلالات أن العرض الذي تابعه جمهور غفير ظل يصفق للممثلين والممثلات وقتا طويلا وقوفا في مدرجات مسرح الحمامات، تزامن مع الذكرى الخمسين لإعلان الجمهورية في 25 تموز (يوليو) 1957. واللافت أيضا أن المسرحية لاقت إقبالا منقطع النظير لدى عرضها مرات عدة في أكبر قاعة مسرح في العاصمة تونس، ما شكل اقتراعا لصالح القراءة النقدية لحصاد الدولة الوطنية.

وكما في المسرح أوعز بورقيبة الذي كان رئيسا للوزراء للبرلمان الموالي له الإطاحة بالملك العجوز الأمين باي، وأتى بمشروع تحديثي للقضاء على إرث الأسرة الحسينية التي حكمت البلد من 1705 إلى 1957، وتواطأت مع سلطات الإحتلال الفرنسي (عدا الباي منصف الذي خلعه الفرنسيون في سنة 1943 ونفوه ... إلى بلدهم).

واتسمت العقود الثلاثة الأولى من الجمهورية ببناء مؤسسات حديثة للدولة وانتهاج سياسة اجتماعية كرست مجانية التعليم وإجباريته ونشرت الخدمات الصحية العمومية وحدت من نسبة الولادات ومنحت حقوقا للمرأة لم تُعط لها في أي بلد عربي آخر، وخاصة بعد سن قانون الأحوال الشخصية في 1956.

غير أن تلك الفترة طغت عليها أيضا محاربة الخصوم وإقامة نظام فردي قضى أولا على منافسي بورقيبة من بقايا الحركة الوطنية، بواسطة محاكم افتقدت الحياد، وبعد ذلك تم حظر الحزب الأخير المتبقي وهو الحزب الشيوعي في سنة 1963 في أعقاب محاولة انقلابية فاشلة أُعدم قادتها، على رغم أن الشيوعيين لم يكونوا على صلة بالإنقلاب.

ويمكن القول إن ملامح نظام الحزب الواحد، الذي كان منتشرا في أكثرية بلدان العالم الثالث خلال تلك الحقبة، أرسيت اعتبارا من سنة 1964 في مؤتمر "الحزب الحر الدستوري" في مدينة بنزرت التي كانت آخر قاعدة عسكرية جلا عنها الجيش الفرنسي قبل ذلك بثلاث سنوات.

وبعدما ضمن بورقيبة سيطرة كاملة على هيئات الحزب وأجهزة الدولة، اندفع مع وزير اقتصاده أحمد بن صالح إلى تجربة التعاونيات (التعاضديات) التي لاقت دعما من البنك الدولي خلافا للتجارب "الإشتراكية" المماثلة في العالم الثالث. واصطدم بلدوزر التعاونيات بصغار المزارعين والتجار الذين تمردوا في مناطق عدة، وبخاصة محافظات الساحل التي ينحدر منها بورقيبة وغالبية الطاقم السياسي، فظهرت شروخ في المؤسسة الحاكمة عكستها استقالة وزير الدفاع أحمد المستيري سنة 1968. وتعاظمت في خط مواز المعارضة الشبابية التي قادها يساريون وبعثيون أحيلوا على محكمة أمن الدولة في السنة نفسها.

ومع مطلع السبعينات كان البلد على شفير الإنهيار فأوقف بورقيبة الذي هدَه المرض تجربة التعاونيات بعدما أمر باعتقال بن صالح وإحالته على محكمة أمن الدولة بتهمة "الخيانة العظمى"، ودشن فترة انفتاح قصيرة سرعان ما طواها في مؤتمر الحزب الحاكم سنة 1974 بطرد رموز الجناح الليبرالي من الحزب والعودة إلى سياسة القبضة الحديدية.

ويمكن القول إن تلك الفترة أبصرت إقامة مشاريع تصنيعية كبيرة مثل مصفاة النفط ومصانع تكرير الفوسفات ومصنع تجميع السيارات ومصنع الفولاذ، غير أن البلد أضاع فرصة نادرة في المجال السياسي كانت ستتيح نقلة ديموقراطية هادئة لو قبل بورقيبة التنحي لإفساح المجال أمام القيادات الشابة.

ورغم أن مرض الرئيس استفحل فإنه أمر بتعديل الدستور كي "ينتخبه" البرلمان "رئيسا مدى الحياة" في سنة 1975، وعاود محاكمة اليساريين والقوميين قبل أن يتصادم مع اتحاد النقابات ويسجن قيادته وفي مقدمها رفيقه حبيب عاشور أمين عام الإتحاد الذي أنقذ زعيم الحركة الوطنية من الموت والإعتقال أيام الإحتلال الفرنسي.

ربما من ميزات النظام السياسي التونسي أنه لا ينغلق تماما ويترك فجوات لامتصاص غضب النخبة، فبورقيبة سمح بظهور رابطة حقوق الإنسان (كانت الأولى في العالم العربي) سنة 1977 وصحيفة "الرأي" الأسبوعية المستقلة، وغض الطرف عن تأسيس "حركة الديموقراطيين الإشتراكيين" بزعامة المستيري التي جمعت المرفوتين من الحزب الحاكم، كما أجاز مجلتي "المعرفة" الشهرية (1970) و"المجتمع" الأسبوعية (1979) الإسلاميتين أملا بإضعاف اليسار.

ثم اضطر إلى الإقرار بالتعددية وإطلاق السجناء السياسيين والنقابيين ورفع القيود جزئيا عن الصحافة بعد سيطرة جماعة قومية سلحتها ليبيا على مدينة قفصة الجنوبية طيلة ثلاثة أيام في مطلع 1980.

ووافق على تنظيم أول انتخابات برلمانية تعددية في السنة الموالية، إلا أن هزيمة حزبه أمام لوائح المعارضة الديموقراطية الإشتراكية جعلته يأمر وزير الداخلية ادريس قيقة بتزوير النتائج كي يبقى البرلمان من لون واحد.

واستمرت لعبة ضرب اليسار بالإسلاميين والعكس، إذ ما أن طاولت حملة اعتقالات واسعة قيادات "حركة الإتجاه الإسلامي" بقيادة راشد الغنوشي لإحالتها على القضاء حتى صدر مرسوم برفع الحظر عن الحزب الشيوعي.

واستفحلت المعركة بين أركان الحكم على خلافة بورقيبة (ما أدى إلى تغيير رؤساء الوزارات في أوقات قياسية في ظل أجواء مُحتقنة بأزمة جديدة مع اتحاد النقابات قادت عاشور إلى السجن مجددا، وإقفال صحف مستقلة ومحاصرة الأحزاب والجمعيات وشن حملة على الإسلاميين الذين طلب بورقيبة من القضاء دحرجة رؤوسهم، بالإضافة لوصول الوضع الإقتصادي إلى مأزق.

على هذه الخلفية المتفجرة سبق الوزير الأول (والخليفة المُعين) زين العابدين بن علي ضباطا إسلاميين إلى تنحية رئيسه يوم 7 تشرين الثاني (نوفمبر) 1987 بناء على شهادة من أطباء الرئيس السبعة أقروا بعجزه عن تسيير دفة الحكم (كان سنُه 84 عاما). وأنقذت الحركة النظام من العملية التي كانت مُقررة لليوم التالي بتخطيط من كوادر عسكرية وأمنية اعتُقلت بعد كشف النقاب عن تفاصيلها.

هكذا قضت رحى الحكم الذي أرساه "المجاهد الأكبر" على صانعها بعد رئاسة استمرت 31 عاما فأمضى بقية حياته في إقامة إجبارية في مدينته المنستير حتى رحيله في سنة 2000. وواجه خليفته بن علي)مواليد 1936) الوضع الجديد بإصلاحات واسعة انطلقت من الإفراج عن السجناء الإسلاميين والنقابيين وعودة المنفيين وإلغاء محكمة أمن الدولة والسماح للصحف المحتجبة بمعاودة الصدور وتعديل بعض القوانين الصارمة، وخاصة تعديل الدستور لإلغاء بند الرئاسة مدى الحياة وتكريس التداول، إذ حُددت الولايات الرئاسية باثنتين (تستمران عشر سنوات) قابلتين للتمديد إلى ولاية ثالثة فقط.

لكن "الربيع الديموقراطي" لم يستمر سوى سنتين إذ أصيب التونسيون بخيبة أمل عميقة لدى إجراء انتخابات برلمانية مُبكرة في 1989 فاز بها مرشحو الحزب الحاكم الذي عدَل اسمه إلى "التجمع الدستوري الديموقراطي" في سنة 1988 وحافظ على البنية الرئاسية نفسها. وأظهرت النتائج قوة التيار الإسلامي الذي خاض الإنتخابات بلوائح "مستقلة"، في أعقاب تغيير اسم الحركة إلى "حركة النهضة" انسجاما مع بنود قانون الأحزاب الجديد الذي حظر إنشاء أحزاب دينية أو قومية أو ماركسية.

وما أن أعلنت النتائج حتى انطلقت المطاردات لقصم ظهر الحركة وشملت عشرة آلاف معتقل أحيل منهم أربعة آلاف على المحاكم، وأقفلت صحيفة "الفجر" الأسبوعية الناطقة باسمها، فيما هاجر قسم من القياديين إلى الجزائر وأوروبا.

وإزاء حجم المجابهة لعب الحكم ورقة الإحتواء باستمالة الأوساط اليسارية والليبرالية المعادية للتيار الإسلامي وشجع على ظهور حزب إسلامي "مُعتدل" أطلق عليه "حزب الشعب"، إلا أنه تخلى سريعا عن هذه الخطة وفتح جبهة ثانية مع المنظمات الأهلية المستقلة وفي مقدمها رابطة حقوق الإنسان التي عُلق نشاطها وأقفل مقرها بالشمع الأحمر.

وتبلورت ملامح البنية السياسية الجديدة مع إدخال 19 نائبا من أحزاب الموالاة إلى مجلس النواب في أعقاب انتخابات 1994 وتم ترفيع الحصة إلى 34 مقعدا في 1999 و43 مقعدا في 2004، فيما أقصيت الأحزاب المعارضة وكوادر اتحاد النقابات الذي كان الشريك التاريخي للحزب الحاكم في البرلمانات السابقة.

أكثر من ذلك تم إدخال تعديل على الدستور في "استفتاء" على الطريقة السورية أجري في 2002 مع اقتراب نهاية الولاية الثالثة والأخيرة لبن علي ألغي بموجبه سقف الولايات ما أتاح التجديد له في انتخابات 2004. وتجري حاليا حملة انتخابية صاخبة يقودها الوزراء وقياديو "التجمع الدستوري الديموقراطي" وأحزاب الموالاة لترشيحه لولاية خامسة في الإنتخابات المقررة لسنة 2009 تحت شعار "بن علي خيار المستقبل".

وستصل الحملة إلى أوجها في الإحتفالات الضخمة المقررة لمناسبة الذكرى العشرين لـ"التغيير" في الخريف. غير أن المعارضة التي قاطعت الإستفتاء اقتنصت فرصة القمة العالمية لمجتمع المعلومات التي استضافت تونس شوطها الثاني في تشرين الأول (أكتوبر) 2005 لتُوجه اهتمام الإعلاميين إلى أوضاع الحريات وحقوق الإنسان.

واستطاع الإضراب عن الطعام الذي شنته ثماني شخصيات من قيادات الأحزاب والمنظمات الأهلية طيلة أكثر من شهر أن يُكرس للمرة الأولى وحدة العمل بين يساريين وإسلاميين ومستقلين على "الحد الأدنى" الديموقراطي، والذي لخصوه بسن عفو عام وإطلاق حرية الإعلام وتكريس حرية العمل للجمعيات.

وشكل الإحتماء بسلاح الإضراب عن الطعام مؤشرا لافتا للإعلاميين الغربيين الذين أهملوا القمة وتابعوا الوفد الذي قادته المحامية الإيرانية شيرين عبادي، الحائزة على جائزة نوبل، لمناشدة المُضربين وقف إضرابهم.

ودلَ اللجوء لهذا الأسلوب على انسداد نوافذ الحوار بين الحكومة والمجتمع السياسي وسط إعلام عتيق. ويُعاني مستخدمو شبكة الإنترنت وأصحاب المواقع والمدونات من الرقابة التي تمارسها "الوكالة التونسية للإنترنت" الحكومية والتي تحجب مواقع المنظمات الحقوقية الدولية والصحف الفرنسية والسويسرية والعربية التي تكتب عن البلد بحرية، إضافة لمحاكمة المتمردين وأشهرهم المحامي محمد عبو الذي أفرج عنه أخيرا بعدما أمضى 28 شهرا في السجن بسبب مقال شبَه الأوضاع في السجون التونسية بمعتقل "أبو غريب".

مع ذلك دفعت التعهدات المقطوعة في قمة المعلومات والمناخ الدولي الجديد إلى إنهاء احتكار القطاع العمومي للإعلام الإذاعي والتليفزيوني، فظهرت أول إذاعة خاصة ("موزاييك") في العاصمة تونس، التي أعلن عنها بن علي في خطاب ألقاه في الصباح كي ينطلق البث ... ظهرا. ثم ظهرت قناة "حنبعل" التليفزيونية الخاصة، وتوالت المحطات الإذاعية بعد ذلك في سوسة وتونس وصفاقس وبنزرت، لكن في غياب قانون يُنظم القطاع ويُحدد شروط إطلاق المحطات.

ولوحظ أن الإجازات التي أعطيت اقتصرت على أشخاص قريبين من الحكم ولا علاقة لهم بالإعلام في الغالب، فيما ظل آخرون أسبق منهم ينتظرون الترخيص لهم ... منذ عشرين عاما أحيانا.

ويشكل الإعلام الأحادي أبرز وجه لترهل النظام السياسي الذي يعتمد على التداخل العضوي بين الحزب الحاكم ومؤسسات الدولة إلى درجة أن اللجنة المركزية والمكتب السياسي لـ"التجمع" يعقدان اجتماعاتهما في القصر الرئاسي، فيما يُنتقى الوزراء والمحافظون من أعضائه.

وما من شك بأن تونس حققت نجاحات اقتصادية في التسعينات ومطلع العقد الحالي قبل أن يُجبرها الإرتفاع المستمر لأسعار المحروقات على انتهاج سياسة تقشف شاملة.

وطبقا للتقارير الدولية تجاوزت نسبة النمو في العقدين الماضيين 5 في المئة ويُتوقع رفعها إلى 6 في المئة خلال سنوات خطة التنمية العاشرة (2007 – 2011)، مع استقطاب استثمارات خارجية لإنجاز مشاريع ضخمة في مقدمتها مدينة جديدة على ضفاف بحيرة تونس الجنوبية سينجزها الإماراتيون بكلفة قُدرت بـ18 مليار دولار، ومطار في منطقة النفيضة سيكون الثاني في أفريقيا سيقيمه أتراك باستثمارات قُدرت بـ400 مليون يورو ومصفاة للنفط في ميناء الصخيرة باستثمارات قطرية ستُكرر الخامات الليبية والجزائرية لتُنتج 120 ألف برميل في اليوم في مرحلة أولى على أن يزيد الحجم لاحقا. ومع أن نسبة البطالة تراجعت من 17 في المئة إلى 15 في المئة مازال عشرات الآلاف من الخريجين العاطلين يقومون بأعمال احتجاجية أمام الوزارات والمحافظات للمطالبة بالشغل.

واعتبرت نائبة رئيس البنك الدولي دانييلا كريساني في زيارة أدتها لتونس في حزيران (يونيو) الماضي أن مشكل التشغيل يبعث على الإنشغال وهو مرتبط ارتباطا متينا بالتكوين والتدريب لأن البطالة تنتشر أساسا بين الشباب، مُشددة على ضرورة الملاءمة بين البرامج التكوينية وحاجات سوق العمل وطلبات المستثمرين.

واستطاعت تونس المحشورة بين بلدين نفطيين كبيرين أن تحافظ على توازناتها من خلال الإعتماد على الغاز المحلي الذي تستثمره أساسا مجموعة "بريتش غاز" وتحصيل رسوم على عبور أنبوبي غاز جزائريين إلى إيطاليا عبر أراضيها.

ووقعت في وقت سابق من العام الجاري اتفاقين منفصلين مع مجموعتي "وورلد إينرجي" و"ايديسون سبا" الإيطاليتين تتعلقان بزيادة كميات الغاز الجزائري التي تعبر من أراضيها بواقع 3.2 بلايين متر مكعب في السنة اعتبارا من نيسان (أبريل) 2008 وزيادة ثانية بواقع 3.3 بلايين متر مكعب في السنة اعتبارا من تشرين الأول (أكتوبر) من السنة نفسها.

وتتقاضى تونس رسوم عبور حُدَدت ب5 في المئة من كميات الغاز المنقولة ما أتاح لها توسعة شبكة الغاز الطبيعي في البلد وتكثيف الإعتماد على هذه المادة بديلا من النفط الذي تراجع المنتوج المحلي منه.

وأتاح تنويع مصادر الدخل لبلد صغير غير نفطي (10 ملايين ساكن) الحد من عجز الميزان التجاري إذ تشمل تلك المصادر تحويلات المهاجرين في أوروبا والخليج وتصدير المنتوجات الزراعية والفوسفات والمنسوجات، بالإضافة لإيرادات السياحة التي ارتفعت بنسبة 10 في المئة خلال النصف الأول من العام الجاري قياسا على الفترة نفسها من العام الماضي. إلا أن حجم المديونية العمومية في ارتفاع أيضا إذ زاد من 54.5 في المئة من الناتج المحلي الخام في السنة الماضية إلى 55.6 في المئة خلال السنة الجارية.

ويشكل ركود الإستثمار (الداخلي والخارجي) في السنوات الأخيرة أكبر تحد يواجه السلطات وهو مرتبط بقلة الضمانات وانعدام الشفافية وغياب حرية الإعلام والقضاء المستقل، إضافة لسيطرة البيروقراطية على القطاع العام. ولوحظ أن المؤسسات المالية الدولية وفي مقدمتها البنك الدولي حضت الحكومة على تكريس الإدارة الرشيدة والشفافية لتنشيط الإستثمار وإيجاد مزيد من فرص العمل للعاطلين.

وركزت المعارضة في بياناتها الصادرة في الفترة الأخيرة على محاربة الفساد وتكريس الشفافية والحكم الصالح، بالإضافة لمطالبتها بوضع حد لما تسميه "الرئاسة مدى الحياة" في إشارة للحملة التي يقودها الحزب الحاكم لترشيح بن علي لانتخابات 2009.

واستطاعت فصائل المعارضة اليسارية والإسلامية والقومية تشكيل ائتلاف أطلق عليه اسم "هيئة 18 أكتوبر (تشرين) للحقوق والحريات" انبثق من الإضراب عن الطعام الذي تزامن مع قمة المعلومات، وضم أحزابا مُرخصا لها مثل "الديمقراطي التقدمي" و"التكتل الديموقراطي" وأخرى محظورة مثل "حركة النهضة" و"حزب العمال الشيوعي"، إضافة لشخصيات مستقلة. إلا أن تشكيلات أخرى مثل "حركة التجديد" (الحزب الشيوعي سابقا) الممثلة في البرلمان رفضت الإنضمام للإئتلاف بسبب معارضتها العمل مع الإسلاميين.

ويعتقد معارضون يساريون وليبراليون كُثر أن إدماج الحركة الإسلامية في المشهد السياسي الشرعي يشكل أقوى سد أمام تنامي الجماعات المسلحة التي أطلت برأسها في مطلع العام الجاري عندما حصلت اشتباكات بين قوات الأمن والجيش وأفراد جماعة سلفية في الضاحية الجنوبية للعاصمة يُرجح أنهم على صلة بـ"تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي".

وعقدت الأطراف المشكلة لـ"هيئة 18 أكتوبر للحقوق والحريات" ندوة في الذكرى الخمسين للجمهورية أكدت خلالها تصميمها على "العمل المشترك من أجل الانتقال بتونس إلى نظام جمهوري ديموقراطي يكفل الحرية وسيادة القانون والفصل والتوازن بين السلطات، والتداول الديمقراطي على الحكم".

وتطالب المعارضة في هذا السياق بـ"تحديد ولايات رئيس الجمهورية باثنتين فقط والحدّ من سلطاته بما يُحقّق توازن الصلاحيات بينه وبين الحكومة، و إقرار مبدإ مساءلته أمام هيئة يضبطها القانون".

وينطلق المعارضون في مشروعهم الرامي لتكريس "جمهورية ثانية" على أنقاض الأولى، من تقويم مفاده أن التغيير الذي قاده بن علي "على رأس السلطة السياسية لم يغيّر أيّا من الأسس الدستورية والقانونية للنظام، بل زادها شدة وانغلاقا فعادت الرئاسة مدى الحياة رغم الوعد بإلغائها واتّسعت دائرة الملاحقات والمحاكمات واشتد التضييق على الأحزاب والتنظيمات المستقلة، وتصحرت الحياة الثقافية واستشرى الفساد وباتت تونس استثناء في محيطها القريب والبعيد بعد أن كانت في تاريخها مثالا للحيوية ومصدرا للإشعاع".

وعلى رغم أن السلطات تتهم المعارضة بالضعف فإن "التجمع" (الذي تقول قيادته إنه يضم أكثر من مليوني عضو) فقد كثيرا من شعبيته بعدما كان العامود الفقري للحركة الوطنية قبل الإستقلال. وأظهرت نتائج الإنتخابات الأخيرة لمجلس نقابة المحامين في حزيران (يونيو) سقوط المرشح المدعوم من الحكم وفوز المعارض بشير الصيد بمنصب النقيب.

وقبل ذلك أخفق مرشحو "التجمع" في الفوز بمقعد واحد في الهيئة الإدارية لرابطة حقوق الإنسان سنة 2000 فعطلت السلطات نشاط الرابطة منذ ذلك التاريخ وحالت دون عقد جمعية عمومية جديدة قبل الحصول على ضمانات بضم "تجمعيين" إلى القيادة المقبلة. وينسحب هذا الوضع على انتخابات جمعية القضاة وأي انتخابات أخرى جرت في إطار الحرية، ما جعل قادة الحزب الحاكم يخشون من أي اقتراع حر وشفاف.

ويُبرر "التجمع" خشيته من اللعبة الإنتخابية الشفافة بأن القوى الأصولية متربصة لاستثمارها واكتساح المؤسسات وتقويض المكاسب العلمانية أسوة بما حدث في تركيا والمغرب، فيما التيار الإسلامي المحلي مشلول بفعل الإعتقال والنفي والرقابة الأمنية. وإذا كانت دوائر لائكية في المعارضة تُشجع على المضي في هذا النهج الإستئصالي للتخلص من منافس قوي وأملا بالحصول على عطايا من الدولة، فإن الأحزاب الرئيسية تراهن على إقامة جبهة موحدة ضد الحكم لفرض الإصلاحات الديموقراطية.

وعلى رغم أن جميع المسؤولين الأميركيين وإلى حد ما الفرنسيين الذين زاروا تونس أكدوا على حاجة البلد إلى إجراءات انفتاحية وإصلاحات سياسية، تُقلل المعارضة من صدقية تلك الإعلانات، وهي تعتقد أن انخراط تونس النشط في الحرب الدولية على الإرهاب وتعميق التعاون الأمني مع الأجهزة الأميركية والأوروبية أضعفا التزام الغربيين بالإصلاح.

والظاهر أن الحكومة التونسية التي تعمل على تطوير الشراكة مع الحلف الأطلسي في إطار "الحوار المتوسطي

Publicité
Pour être informé des derniers articles, inscrivez vous :
Commenter cet article