A propos de Justice & Developpement au Maroc et en Turquie
مدى قابلية أنموذج العدالة والتنمية للإنتشار العربي
النسخة التركية من العدالة والتنمية والنسخة المغربية
زهير الخويلدي (كاتب فلسفي)
30-8-2007-
" إذا تساوت جميع الظروف تكون الحكومة التي يتكاثر في ظلها السكان ويعمرون البلاد دون وسائل خارجية أو التجنس أو إقامة مستعمرات هي الأفضل بكل تأكيد والحكومة التي يقل في ظلها الشعب ويهلك تكون الأسوأ" جون جاك روسو في العقد الاجتماعي
الحدث هذه الأيام في تركيا وفي المغرب الأقصى هو اكتساح نموذج "العدالة والتنمية" الحياة السياسية على غير العادة وفوز حزب أوردغان بأغلبية البرلمان التركي في الانتخابات على الرغم من منافسة حزب الشعب الجمهوري والحركة القومية
وقد مثل استلام غول منصب رئاسة الجمهورية منعرجا حاسما في الطريق نحو علمنة الإسلام السياسي وأسلمة أنظمة الحكم في المنطقة بطريقة ديمقراطية على الرغم من تحذيرات المؤسسة العسكرية بعدم المساس بعلمانية النظام لكونها خطوط حمراء لا يمكن تجاوزها، من جهة أخرى يدخل حزب العدالة والتنمية انتخابات البرلمان المغربي وكله أمل أن يحقق الفوز وينال الأغلبية من المقاعد وتسانده في ذلك جميع استطلاعات الرأي وكل التوقعات،
ولكن المفارقة تكمن في أن نفس النموذج السياسي تقريبا يثير مخاوف العلمانيين في المشرق ولكنه يمثل حليفا للنظام الملكي في المغرب ويمثل مصدر ثقة واطمئنان المواطن المغربي لتبنيه خيارات المؤسسة الدستورية واحترامه للتراتيب التي تنظم بها المملكة الحياة السياسية.
هذه الانتخابات يقاطعها حزب وحيد وهو النهج الديمقراطي الذي مازال رغم كل التحولات يتبنى تصورا ماركسيا للفعل السياسي ويشارك فيها ثلاثة وثلاثون حزبا يتنافسون على ثلاثمائة وخمس وعشرون مقعدا
ومن المعلوم أن السلطات المغربية سمحت للأحزاب المعتدلة التي لها مرجعية إسلامية بالتنظم القانوني الشرعي وقد استفادت الحركة الدستورية الشعبية الديمقراطية التي أسسها بعض الوطنيين وبقيادة عبد الكريم الخطيب من هذا الجو الديمقراطي وقد أدى تقاربها في انتخابات سنة 1997 مع بعض الإسلاميين إلى تأسيس حزب العدالة والتنمية سنة 1998، وبعدما كان أحد أعمدة الحركة الوطنية لمقاومة المستعمر
وبعد أن انتهج الكفاح المسلح وتبنى شعارات طوباوية مثل الاشتراكية الإسلامية ووحدة شمال إفريقيا في إطار الملكية الدستورية نراه اليوم يرفع شعارات جديدة مثل المصباح الذي يرى داخله من خارجه ويرمز إلى الشفافية والوضوح والصفاء
ويعمل الحزب على ترجمة مجموعة من مقولات على أرض الواقع مثل: من أجل نهضة شاملة، أصالة وعدالة وتنمية،أصالة منسجمة مع القيم وعدالة شاملة تتكافؤ فيها الفرص وتنمية محورها الانسان وتتعدى المفهوم المادي. وقد حدد رسالته على النحو التالي: انه حزب سياسي وطني يسعى انطلاقا من المرجعية الإسلامية وفي إطار الملكية الدستورية القائمة على إمارة المؤمنين إلى الإسهام في بناء مغرب حديث ديمقراطي مزدهر ومتكافل ومعتز بأصالته التاريخية ومسهم في بناء الحضارة الإنسانية.
ويرى منظرو هذا الحزب أنهم يعملون على تأطير المواطنين وإشراكهم في تدبير الشأن العام والتعاون مع مختلف الأطراف من أجل ترسيخ قيم الاستقامة والحرية والمسؤولية والتكافل وذلك من خلال منهج سياسي مرتكز على الالتزام والشفافية والتدرج وبتمثل هذه في مختلف أشكال الحياة اليومية والممارسات النضالية. لكن هل حزب العدالة والتنمية حزب ديني؟
ماهي علاقة الحزب بحركة التوحيد والإصلاح ؟ ماهو موقفه من مشاركة المرأة في الحياة السياسية ؟ هل سيفرض على النساء غير الإسلاميات ارتداء الحجاب بالقوة مثل النموذج الطالباني أو الايراني؟
كيف تعامل الحزب مع الأحزاب الليبرالية والقومية والماركسية المخالفة له في المرجعيات والبدائل؟ هل هو حزب إيديولوجي أم براغماتي؟ هل مازال الحزب يطالب بإصلاحات دستورية بعد دخوله البرلمان ومشاركته في تسيير الشأن العام؟ بماذا تتميز مواقفه من القضايا القومية والدولية؟ ماذا قدم للقضية الفلسطينية؟
إن رسالة حزب بهذه المضامين وضعته أمام عدة تحديات وأوقعته في جملة من المفارقات مثل كيف يكون الحزب من جهة حزبا مدنيا علمانيا ومن جهة أخرى له مرجعية إسلامية؟
أليس هناك تناقض بين ماهو ديني غيبي وماهو مدني دنيوي؟ لماذا يحرص حزب العدالة والتنمية على إظهار ولائه للملكية الدستورية على الرغم من وجود مؤسسة المخزن التي تمثل حجرة عثرة أمام أي تنمية وعدالة؟
ماهو موقف هذا الحزب الإسلامي من مشاركة المرأة في الحياة العامة؟ لماذا تغلب على هذا الحزب الشعارات الأخلاقية التي تجعل منه حركة دعوية أكثر منه حزبا سياسيا ؟ ما سبب نجاح هذا النموذج في تركيا وتعثره في المحيط العربي؟
لقد قدم مؤسس الحزب عبد الكريم الخطيب مثالا رائعا للتداول السلمي على تسيير شؤون الأحزاب المعارضة أو الحاكمة عندما انسحب من الحياة السياسية وفسح المجال أمام الوجوه الشابة لكي تتحمل مسؤوليتها وتتربى قولا وفعلا على التضحية والعمل بتفاني من أجل المصلحة المشتركة وبالتالي تمكن سعد الدين العثماني من الوصول إلى رئاسة الحزب رغم كونه يعد من الجيل الجديد نسبيا بالمقارنة مع غيره من المناضلين وهي سنة حميدة ينبغي سنها في كل الكيانات السياسية حتى يكون التجديد والتطوير ممارسة لا شعارا.
وقد رفض هؤلاء أن يكون حزبهم دينيا على طريقة الإخوان المسلمين أو غيرهم من جماعات الإسلام السياسي التقليدية وأكدوا أنه حزب وطني مدني يحدد شروط الانتساب إليه على أساس المواطنة وليس على أساس الطائفة الدينية أو المذهب الفقهي أو النسب العشائري وبينوا أنه يحترم المشروع المجتمعي للدولة ويشتغل في إطار القانون الجاري به العمل،
ولكن في المقابل يقولون أن حزبهم له مرجعية إسلامية لأنه ينطلق في برامجه وخططه من المنطلقات الإسلامية التي هي في نفس الوقت منطلقات المجتمع والدولة، فهذا الحزب إسلامي لأن الدولة التي ينتمي إليها مسلمة ومعظم المنتسبين إليه من المنخرطين مسلمين وبالتالي فهو يستلهم طرقه في الإصلاح والتطوير من القيم والمبادئ التوجيهية الحضارية بالتفاعل مع كل الانجازات البشرية في الآن نفسه.
وقد فتح الحزب باب الانخراط إلى غير المسلمين الذين لهم جنسية مغربية مثل المسيحيين وغيرهم كما أن اللغة الأمازيغية توجد إلى جانب اللغة العربية في بعض المواقع الإعلامية ولكنه لا يعتبر نفسه من أنصار الحركة الأمازيغية ويؤمن الحزب بالديمقراطية الاندماجية التشاركية وينادي بتوسيع الحريات العامة وبحق الاختلاف الفكري في إطار القانون
ويطالب بحرية التعبير دون المساس بالمقدسات الثلاث:الله والملك والوطن ولكنه يتناقض مع التيارات السلفية الجهادية التي يعتبرها تمظهر إرهابي للدين ويفترق مع دعاة التطبيع من المتساهلين مع العدو الصهيوني والغربي الذي يعرض وجود الأمة إلى الخطر.
ويطالب الحزب منذ تلاقى في صلبه التيار الوطني وريث حركة التحرير من الاستعمار بالتيار الإسلامي الذي ظل ينشط في صلب حركة التوحيد والإصلاح الدعوية باصلاحات في منظومة الانتخابات وتعديل المشهد الحزبي حتى تتمكن جميع الأطراف من التعبير عن وجهات نظرها حول جميع المسائل في إطار من التفاهم والتراضي وحتى عند دخوله إلى البرلمان فقد انتهج سياسة التطبيق التدريجي لبرامجه قصد تفعيلها على أرض الواقع دون الإخلال بمضمونها ومتطلبات المرحلة.
لقد شجع الحزب العنصر النسائي على اقتحام الحياة السياسية لمساعدة الرجل والتعاون معه على التطوير والإصلاح ويعتبر ذلك علامة حاسمة على تحقيق التنمية لكون صلاح المجتمع يعود بالأساس إلى صلاح المرأة فيه ومساهمتها الناجعة والفعالة في إصلاحه ومن أجل ذلك أوجد المرأة في مختلف هياكله وأطره وترشحت ستة نائبات للبرلمان في قائمته والعديد من المستشارات النسوة في الانتخابات البلدية.
وقد ترك الحرية للنساء في ارتداء الحجاب أو خلعه ورفض أن يفرضه بالقوة عليهن أو يمنعهن من ارتدائه وقد وقع تطوير المجلة القانونية بحيث أعطي للمرأة مجموعة من الحقوق الجديدة والتي تتناسب مع الشريعة الإسلامية ولا تتناقض معها.
والحزب متحالف مع أحزاب أخرى في إدارة أمور الحكومة الحالية وفي ذلك علامة على امتلاك عقلية غير احتكارية وغير اقصائية بل تؤمن بالمشاركة في التسيير والتواصل مع المختلف وقد رفض أحد أعضائه في المدة الأخيرة دعوة للقاء السفير الأمريكي ومن المعروف أن الحزب يواجه تشكيكا في انتمائه الحضاري إذ يتهمه البعض بالأمركة والتغريب والتطبيع مع الكيان الصهيوني
ويطالب البعض الآخر من أدعياء العلمانية الراديكالية بحله لأنه حسب رأيهم حزب ديني بينما يراه معظم السلفيين قد خرج خروجا تاما عن تعاليم الدين الحنيف ويكفرون رموزه ويجردوهم من صفتهم الإيمانية لكن ينبغي أن نتذكر المظاهرات المليونية لشجب الحرب على العراق ولبنان والمساندة الكبيرة للانتفاضة الثانية والحملات الإعلامية الدعائية والتبرعات التي جمعت لدعم الشعب الفلسطيني.
وقد صرح رئيسه مؤخرا أنه سيركز اهتمامه على خدمة المواطنين وليس خدمة الدين وأن برنامجه الانتخابي هو تعزيز الإصلاحات الدستورية لتفعيل آليات التنمية وليس وضع العراقيل أمام تطور المجتمع وكبت الطاقات،
وبالتالي ينبغي أن يوضع في سياقه الصحيح لأن بروز هذا الحزب المعتدل هو نتيجة خيبة أمل الشارع المغربي من الليبراليين والعلمانيين الذين سيطروا لفترة طويلة دون فائدة من جهة وتخوفهم من صعود التكفيريين الجهاديين وبالخصوص تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الذي يقف وراء التفجيرات المدمرة مؤخرا من جهة أخرى وبالتالي فهو حل وسط بين تطرف علماني يهدد الانتماء الحضاري وتطرف أصولي يهدد المكاسب المدنية.
ما يجدر ملاحظته أن هذا الحزب مازال فتيا ونهجه البراغماتي مازال يعاني من العديد من النقائص والثغرات وخطابه السياسي كثيرا ما يركز على الجوانب الأخلاقية النصحية ويفتقد للجرأة المطلوبة لإحداث التغييرات المنشودة وقيادته الشابة مازالت مترددة وخجولة ووعظية وتنقصها الكارزماتية المطلوبة في مثل هذه المناسبات الانتخابية وهي التي تؤخر عملية انتشاره على الساحة العربية.
من البين أن الفارق شاسع بين النسخة التركية من العدالة والتنمية والنسخة المغربية فالأول يريد الانضمام إلى الاتحاد الأوربي ويمثل تجربة رائدة على جميع المجالات وبالخصوص في مستوى إدارة الملفات الحساسة بطريقة ديبلوماسية كالعلاقة بين الدين والسياسة والصراع الحضاري مع الصهيونية والأمركة وشكل حضور المؤسسة العسكرية في الحياة المدنية بينما الثاني مازال يتخبط في العديد من المشاكل الداخلية ويتصف بالهشاشة الفكرية وقد فرضت عليه الخصوصية المغربية التنازل عن جرعته التجديدية من أجل إرضاء خصومه السياسيين مما يبعده عن ترجمة شعاراته على أرض الواقع.
إن الأطروحة التي تتنافس الطبقة الناشئة على تبنيها ومساندتها هي تلك التي تجمع بين العروبة السردية الجديدة والإسلام التقدمي المقاوم المستنير بقيم اليسار الإنسانية المناهضة للعولمة وتقوم بتجديل العلاقة بين البعد الوطني والقومي والأممي وتجعل من التجذر في الخصوصية شرط الانفتاح على الكونية وينبغي أن تكون رسالة العدالة والتنمية قريبة من هذه الدعوى وبعيدة عن كل الأقاويل المغشوشة والأفكار الفاسدة المتعطشة إلى افتكاك السلطة من أجل السيطرة و الثأر والانتقام عوض البناء والتعمير وعوض إرساء التقاليد الديمقراطية السلمية وثقافة حقوق الانسان المدنية.
ما هو بديهي أن فشل هذه التجربة سيؤدي إلى انتكاسة جديدة للإسلاميين التمدينيين وتقلص من فرص حضور الإسلام السياسي في الساحة الديمقراطية لحضارة اقرأ وأي نجاح له سيؤدى إلى نتيجة باهرة ونموذجية تساعد على تسريع نسق انتشارها على الحالة العربية حتى تخرج من نفق الاستبداد القروسطي وترد على الهجمة الاستعمارية الجديدة التي تتعرض لها الملة وتهدد سيادتها بالانتقاص ووحدتها بالتفكك.
لكن هذا التبشير يصطدم بمنع الأنظمة العربية أي تنظم تنويري مدني للناشطين السياسيين الذين لهم مرجعية إسلامية ولجوئها إلى الحل الأمني الاستئصالي أثناء التعامل معهم وتعترضه عقبة ثانية وهي رفض الإسلاميين التقليدين للتمدن والعلمنة واعتبارهم ذلك نوعا من التغريب والخروج عن الصراط المستقيم
وبالتالي فان أنموذج العدالة والتنمية مرفوض من الجانبين: السلطة الحاكمة لكونه نسخة معدلة من الحركات الظلامية ومن المعارضة الإسلامية الاخوانية السلفية لكونه نسخة ملطفة من الحركات العلمانية والماركسية.
من هذا المنطلق لابد أن تتوفر ثلاثة شروط لكي ينتشر نموذج العدالة والتنمية في الساحة العربية:
اعتراف الأنظمة العربية بحق البديل الحضاري الإسلامي في التنظم الديمقراطي السياسي مثل بقية الأطياف والتيارات المكونة للمجتمع المدني.
تخلي تيارات الإسلام السياسي عن النموذج التقليدي السلفي المحافظ وتبني خيارات تجديدية تنويرية تنقد المقدس وتعلمن الديني من أجل تحويل الإسلام إلى دين مدني.
أن يكون مشروع العدالة والتنمية أنموذجا بأتم معنى الكلمة وأن يتلافى نقائصه وثغراته وأن يستفيد من جدلية الهدم والبناء ويخضع أفكاره إلى الصيرورة التاريخية بأن يضع التقدم إلى جانب الأصالة والإنصاف بجوار العدالة والمحافظة على الحياة قبالة كل تنمية.
فلم لا يترك المصباح المغربي للعدالة والتنمية مكانه للفانوس الكهربائي التركي حتى يعم نوره على المنطقة العربية الغارقة في ظلام الأنظمة الشمعية الشمولية؟ A bientôt sur blog http://democratiemaintenant.over-blog.net
(المرجع: موقع حزب العدالة والتنمية الالكتروني www.pjd.ma)
اختلاف العدالة والتنمية المغربي عن التركي
2-8-2007-
نور الدين بن مالك (كاتب مغربي)
ارتفع مؤشر بورصة إستانبول بأكثر من نقطة ونصف في صبيحة اليوم التالي لإعلان النتائج، وأصدرت دولة الفاتيكان بيانا تدعو فيه الاتحاد الأوروبي إلى تسريع انضمام تركيا إليه، والخارجية البريطانية هنأت أردوغان على الفوز واعتبرته فوزا لأوروبا.
كانت هذه أول ردود فعل على فوز حزب العدالة والتنمية التركي بالأغلبية المطلقة من مقاعد البرلمان في انتخابات الأحد 22 من يوليو 2007. وحصاده أكثر من 47% من الأصوات. ليس ذلك فقط بل أصبح أول حزب في تاريخ تركيا الحديثة تزداد شعبيته بعد ممارسته الحكم.
لردود فعل من هذا النوع أهميتها؛ فغني عن البيان أن الأحزاب الإسلامية في المنطقة ذات نجم صاعد وشعبية متزايدة وذلك في مختلف دول العالم العربي والإسلامي من الماء إلى الماء، وثبت بالتجربة أنه ما إن تُفتح أمام هذه الحركات صناديق الاقتراع حتى تحملها هذه الأخيرة إلى الصفوف الأولى، بدأ ذلك مع جبهة الإنقاذ في الجزائر، ولن ينتهي بما حققه العدالة والتنمية التركي.
لكن من المهم السؤال: إذا قدر لهذه الحركات والأحزاب جميعا أن تفوز بما فاز به إخوان رجب طيب أردوغان فهل تجلب ردود الفعل نفسها؟ هل ينتعش الاقتصاد، فيرحب بها من يختلف معها، ويطمئن لها أصحاب المصالح وتقبل بها مختلف التوجهات؟.
نقرأ مثلا: (الانتخابات -الأخيرة- التي غيّرت كل شيء أعطت الولايات المتحدة والأوروبيين فرصة لبداية جديدة مع تركيا بعد الجفاء الحاصل منذ سنتين. أمّا السيد أردوغان، وهو مفاوض عنيد، فإنه -وهذا مشروع- يريد تركيا قوية ومزدهرة وأكثر حرية. ونرى أن في ذلك كله مصلحة للغرب).
وهذه الشهادة جزء من افتتاحية صحيفة هيرالد تريبيون الأمريكية (عدد يوم السبت 28 من يوليو 2007)، ويبدو منها أنّ ما حققه حزب العدالة والتنمية في تركيا إنجاز تاريخي واختراق غير مسبوق.
ثلاث قطائع كبرى.. من صنع أردوغان
أهم سبب وراء نجاح رجب طيب أردوغان في قيادة حزبه إلى ما حقق في الانتخابات الأخيرة هو إحداث قطائع كبرى، فكرية وثقافية وتنظيمية.
أول قطيعة وربما أهمها إعادة النظر في المنطلقات والمسلمات، وأبرزها ثنائية إسلام/علمانية، هل كل ما في العلمانية نقيض للإسلام؟ وهل كل الإسلام يحرم العلمانية؟ تساؤل من هذا النوع ساعد حزب العدالة والتنمية التركي على إيجاد معادلة خاصة به لهذه الثنائية التي شغلت كثيرا تركيا نفسها وعطلت طاقاتها باسم صراع مشتد بين إسلاميين يهددون أركان العلمانية، وعلمانيين يرون في كل ما هو إسلامي خطرًا على كيان الدولة ومشروع الكمالية.
العلمانية في المنظور الجديد أساس تنظيمي وفكري للحكم، مجرد من أصوليته العقدية؛ فقد سعى أردوغان ورفاقه إلى تحرير العلمانية التركية من غلوائها وتطرفها تجاه الدين، وبالمقابل فعل الشيء نفسه مع نظرته للإسلام وطريقة استمداد التعاليم والقيم الدينية بشكل يلائم مقتضيات العصر الحديث، دون أن يسقط فيما تسقط فيه حركات طالبانية، تعيش باسم الدين أسيرة لثقافة عصور خالية. فلا الإسلامية التركية تشبه خطاب ونهج طالبان، ولا العلمانية التي يؤكد أردوغان على احترامها ويعمل على بقائها مكون من مكونات تركيا هي نفسها الصورة الأولى التي وضعها مصطفى كمال أتاتورك.
القطيعة الثانية التي أحدثها أردوغان كانت مع نهج أربكان، وكان تلميذا ومريدا له؛ ففي العلاقة بين الغرب والعالم الإسلامي أخذ أردوغان عنه المضمون وتخلى عن الشعار. فأن تصبح تركيا قوية اقتصاديا وسياسيا لا يمكن أن يتم في محيط معاد لمصالحها الإستراتيجية، فأصبح هدفه بناء تركيا قوية وسعى لتحقيقه بطلب الانضمام للاتحاد الأوروبي والاستجابة لمطالبه وتحقيق معاييره السياسية والحقوقية.
لم يستنجد أردوغان بالضعفاء في العالم (الدول الثمانية في العالم الإسلامي) لبناء دولة قوية، بل توجه لتحقيق ذلك إلى الأقوياء اقتصاديا وسياسيا (الاتحاد الأوروبي).
ثالثة القطائع أهمية هي الإيمان بالحرية الفردية وفق القانون، فقد جعل أردوغان حق الفرد في اختيار نمط حياته، وفي تحديد مصيره بمحض اختياره أساس محاججته للأوساط العلمانية التي جعلها تبدو أنها تحولت من مدافع عن الحرية إلى قامع لها، بفرضها نزع الحجاب قسرًا عن الفتيات اللائي اخترنه بمحض إرادتهن. وبذلك سقطت في المأزق الذي ظنت أن إسلاميي تركيا سينزلون إليه.
العدالة والتنمية المغربي والنموذج التركي
إضافة إلى كل ما سبق بنى حزب العدالة والتنمية التركي سياسة اقتصادية واجتماعية ناجحة، شهد له بذلك خصومه قبل أصدقائه، وبلغة الاقتصاد ارتفعت الليرة التركية إلى أعلى مستوياتها أمام الدولار طيلة سنوات حكم أردوغان، وحقق الاقتصاد التركي نجاحًا دعا إلى التعجب والإعجاب؛ فنسبة النمو ارتفعت إلى 7% أي وراء الهند والصين مباشرة، ونسبة التضخم ضئيلة، والبورصة قفزت 5% إلى الأمام. وما أن أعلن فوز الحزب من جديد حتى ارتفع مؤشر البورصة إلى أعلى مستوى لها منذ سنتين.
ولكن ما علاقة ما سبق بما يجري في المغرب؟
من حيث الشكل عندنا العدالة والتنمية كما عندهم، وسنُجري انتخابات تشريعية في الشهر المقبل كما أجروها في الشهر الماضي. لكن هل سيتكرر السيناريو؟
بالرغم من أن العدالة والتنمية المغربي سابق تاريخيا في التأسيس على نظيره التركي، فإن حزب سعد الدين العثماني لم يُجرّب إلى الآن في تدبير مقاليد الحكم، وبالتالي سيكون من السابق لأوانه الحكم على تجربة العدالة والتنمية المغربي سلبًا أو إيجابًا؛ فالسياسة بالدرجة الأولى معطيات على أرض الواقع وليست مجرد نوايا أو شعارات.
وكون العدالة والتنمية المغربي لم يجرب ممارسة الحكم هو في حد ذاته نقطة ضعف وقوة في نفس الآن. نقطة قوة لأن لا أحد يستطيع أن يحاسبه على شيء لم يقترفه، ونقطة ضعف لأن التحديات المنتصبة أمامه تحتاج إلى مراس وتمرين لم يعرف عنهما شيئا.
باستحضار القطائع السابقة التي هيأت للعدالة والتنمية التركي تدشين مرحلة جديدة من الممارسة لفصيل سياسي منحدر من أصول الحركة الإسلامية، لكنه متفرد عن كل النماذج السابقة ومتجاوز لقضايا وإشكالات باقي الحركات الإسلامية خاصة الكبرى منها في مصر وباكستان... باستحضار ذلك فإن العدالة والتنمية المغربي يتوفر على نقط قوة خاصة به، ساعدته منذ تأسيسه في أواسط تسعينيات القرن الماضي على الخروج بسلام من عدة مطبات، وتجاوزه لمخاطر ومنزلقات كادت أن تفتك به، لكن بالمقابل فإن النسخة المغربية من العدالة والتنمية تنطوي على معيقات ذاتية، وتحديات خارجية قد لا تساعدها على تحقيق النتيجة التركية على الأقل في المدى المنظور.
فروق كبيرة.. والاقتراع يحكم
في تركيا استفاد العدالة والتنمية من وجود فرد له من القوة والنباهة السياسية ما منحه كاريزما خاصة به، ساعدته على قيادة سفينة الحزب والبلاد إلى الوضع المريح الذي هما عليه. فرجب طيب أردوغان (53 سنة) السياسي والاقتصادي والإداري المحنك، لا يستطيع المراقب في المغرب والخارج أن يجد له نظيرًا في العدالة والتنمية المغربي، ومهما عددنا من محاسن أمينه العام الحالي، فإن أقرب المقربين إليه يشككون في قدرته على تدبير المراحل المقبلة خاصة إذا استدعت من الحزب قيادة الحكومة أو على الأقل المشاركة فيها.
فسعد الدين العثماني (51 سنة) طبيب نفسي وفقيه، لكن هل بمقدوره تدبير الشأن العام؟ ووراء العثماني نجد أن الفرز من بين قيادات الصف الأول ليس واضحا بعد أكثر من 10 سنوات من انطلاق الحزب في صيغته الجديدة.
في تركيا نظام علماني شرس، وفي المغرب نظام سياسي يبني مشروعيته على الدين ومؤسسة إمارة المؤمنين التي تعززت ركائزها أكثر في العهد الجديد؛ وهو ما يجعل من الاستجابة للانتظارات ذات الطابع الاجتماعي والاقتصادي هي الشيء الوحيد الذي قد يحفظ ماء وجه العدالة والتنمية المغربي إن هو تسلم الحكم أو شارك فيه.
وليس الطابع الديني ما يقتسمه الحزب مع النظام السياسي، بل أكثر من ذلك فإن قواعد اللعبة السياسية في المغرب لا تسمح للأول إلا بهامش ضئيل من الحركة مقابل استفراد الثاني بصناعة القرار في أكثر المجالات حيوية، وهذا من شأنه أن يكون التحدي الأكبر.
إلى الآن الإشارات التي أطلقها إخوان العثماني مطمئنة للداخل، وشهادة الوزير الأول إدريس جطو في لقائه الأخير بالصحافة حين قال: "لقد أظهروا أنهم يمكن التعامل معهم"، فيه دلالة قوية على انتهاء مرحلة التطبيع مع المحيط السياسي الداخلي، وتبقى توجسات آخرين مشروعة إلى أن يثبت العكس.
ليس مطلوبا من العدالة والتنمية المغربي أن يكون نسخة طبق الأصل لنظيره التركي -ولا يستطيع- ولكنه مطالب في الوقت ذاته بأن تكون قيمته المضافة للحياة السياسية المغربية ملموسة إيجابيا على الدولة والأفراد، قد يقبل المغاربة أن تكون هذه القيمة المضافة متدرجة وجزئية، لكن الأسوأ والأخطر على المستقبل أن تكون مزعزعة لاستقرارهم وسلبية على مصالحهم. (المصدر: موقع إسلام أونلاين.نت (الدوحة – القاهرة) بتاريخ 261 أوت 2007) A bientôt sur blog http://democratiemaintenant.over-blog.net