La Lutte d'influence France-USA au Maghreb

Publié le par BOUCHADEKH Abdessalem

 


فرنسا والزحف الأمريكي في المغرب العربي

23-1-2008

عمر نجيب (كاتب مصري يقيم في المغرب)

أي مستقبل للمنطقة المغاربية في ظل التنافس الأمريكي ـ الفرنسي الذي احتدم في النصف الثاني من سنة 2007؟

فقد كشفت الشهور الأخيرة عن مفارقة دالة بين توجه الرئيس الفرنسي الجديد ساركوزي نحو التصالح مع أمريكا وفي الوقت نفسه تكثيف زياراته للمنطقة المغاربية في سعي بارز نحو استعادة وتقوية النفوذ التقليدي لفرنسا بها؟

لعل هذا هذا سيكون من التحولات الاستراتيجية التدريجية الجارية في المنطقة والتي تسترعي انتباها خاصا وتفرض بالتالي تحليلا متأنيا.
فقد انتهت سنة 2007 كاشفة عن تطورات غير مسبوقة في التنافس الفرنسي ـ الأمريكي علي المنطقة المغاربية، حيث عرف المغرب وحده توجه العديد من الشركات وإبرام صفقتين الأولي أمريكية تجلت في صفقة اقتناء 24 طائرة حربية من نوع إف 16 سي دي مرفقة بأحدث التجهيزات بكلفة قدرها 2.4 مليار دولار، وتخسر بذلك الشركة الفرنسية داسو أفياسيون صفقة بيع طائرات الرافال للمغرب، كما قدم صندوق حساب تحدي الألفية الأمريكي للمغرب نهاية 2007 مساعدة مالية قيمتها 697،5 مليون دولار أمريكي ، وفي مقابل ذلك تم الاتفاق بين المغرب وفرنسا علي إنشاء خط للقطار الفائق السرعة (TGV الذي تصل سرعته إلي 300 كلم في الساعة) بمبلغ يصل إلي 3 مليار دولار، وسبق ذلك منح الاتحاد الأوروبي للمغرب لما يقارب 650 مليون أورو في إطار مساعدات التنمية. وفي الوقت نفسه أبرمت أمريكا اتفاقية التبادل الحر مع المغرب، والذي يستعد لاتفاق مماثل مع الاتحاد الأوروبي، وسجلت التبادلات التجارية بين المغرب والولايات المتحدة الأمريكية ارتفاعا كبيرا بالمقارنة مع السنوات الماضية سواء من حيث الصادرات أو الواردات بين البلدين. أما في الجزائر ففي مقابل للاستثمارات النفطية التي تتجاوز 6 مليارات دولار، هناك زيارات مكثفة لفرنسا لاستعادة قوتها الاقتصادية، أما علي المستوي العسكري فإن المنطقة شهدت تركيزا بدعوي بروز منطقة الصحراء كمشروع ملاذ آمن للقاعدة والتنظيمات المرتبطة بها، وصولا إلي طرح مسألة استضافة مقر قيادة القوات الأمريكية الإفريقية أفريكوم.

عودة للتاريخ

انطلق التنافس الأمريكي الفرنسي حول منطقة المغرب العربي غداة الحرب العالمية الثانية، وبعد نزول جيوش الحلفاء بقيادة أمريكية علي شواطئ المغرب والجزائر، ثم زحفها في اتجاه تونس لطرد قوات المحور، والعبور عبر الشواطئ التونسية نحو ايطاليا لفتح جبهة عسكرية جديدة فوق الأراضي الأوروبية ضد التحالف الألماني الايطالي.

في المرحلة التي سبقت ثم تلت عملية تصفية الإستعمار تمثل النفوذ الأمريكي أيام الحرب الباردة في القواعد العسكرية في كل من المغرب وليبيا، ثم استمرار نوع متذبذب من النفوذ بعد جلاء القوات الأمريكية عن قواعدها في البلدين وخاصة عبر مؤسسات الحلف الأطلسي. ورغم طغيان النفوذ الفرنسي لعقود خاصة بتونس والجزائر والمغرب والدول المتاخمة لهما جنوب الصحراء واصلت واشنطن جهودها لتقوية تأثيرها الإقتصادي والسياسي رغم تركيز ثقلها خلال النصف الثاني من القرن العشرين علي مناطق أخري خاصة في آسيا وأمريكا اللاتينية.

علي الصعيد العسكري رفضت الولايات المتحدة الأمريكية دائما ان تتنازل عن قيادة الحلف الأطلسي في جنوب ايطاليا لدولة أوروبية بسبب وجود دول المغرب العربي تحت مظلته، هذا بالرغم من السعي الفرنسي المكثف لتولي المنصب، وتطور الأمر أمام معارضة الولايات المتحدة الي ان تؤسس الدول الأوروبية المطلة علي الضفة الشمالية للبحر الأبيض المتوسط قوة تدخل سريعة حماية لمصالحها الاستراتيجية أو الاقتصادية في بلدان المنطقة.

صراع متجدد

منذ بداية الألفية الثالثة تحولت منطقة المغرب العربي إلي ساحة صراع سياسي وإقتصادي مكشوف وأكثر حدة بين فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية بسبب السباق لتأمين موارد النفط والغاز وضمان الولوج الي اسواقها. فواشنطن وضعت ثقلها في المدة الأخيرة في هذه المنطقة بغية إنهاء ما تعتبره إحتكار فرنسا لمنطقة الشمال الإفريقي العربي سياسيا وإقتصاديا وثقافيا وإستراتيجيا، حيث طرح مشروع إيزنستات للشراكة الأمريكي المغاربي. بينما سعت باريس عبر مجموعة 5 زائد 5 المكونة من الدول الأوروبية والمغاربية المطلة علي البحر الأبيض المتوسط، إلي إحداث معادل مضاد للمشروع الأمريكي خاصة وأن توسع الإتحاد الأوروبي أخذ يشتت قدراته في التركيز علي المنطقة المغاربية، وشكل مجيء الرئيس ساركوزي بمشروع الإتحاد المتوسطي كتجل بارز لوجود صراع مشاريع بين فرنسا وأمريكا لمستقبل المنطقة، هذا بالرغم من أن معارضة ألمانيا لمشروع الاتحاد المتوسطي تكاد تفرغه من محتواه.

والمعروف أن الإتحاد الأوروبي كان سباقا في عقد إتفاقيات شراكة مع دول المنطقة حيث تم ذلك مع تونس سنة 1995 والمغرب سنة 1996، ففرنسا المتحمسة لمجموعة 5 زائد 5 ومشروعها المتوسطي تري أن فرصها أفضل في تحصيل مكاسب أكثر من الولايات المتحدة لأنها لا تتفاعل مع الدول المغاربية بمفردها بل يقف الإتحاد الاوروبي خلفها، وهي تخطط لزيادة ارتباط المناطق المغاربية بمحور الجنوب الأوروبي خاصة علي الصعيد الاقتصادي، ذلك ان الدول المغاربية تستحوذ علي ثروات نفطية هائلة وتحديدا الجزائر وليبيا، كما أن الدول الأوروبية هي الممول الأساسي للأسواق المغاربية التي ترتبط عضويا بإقتصاديات دول الإتحاد الأوروبي التي سيزيد اعتمادها مستقبلا علي موارد الطاقة المغاربية. زيادة علي ذلك تري باريس وعبرها غالبية الدول الأوروبية أن وجود أكثر من خمسة ملايين مغاربي في دول السوق مع ارتباطاتهم الاقتصادية ببلدانهم الأصلية يشكل لبنة قوية في مواجهة المنافسة الأمريكية.

بكلمة: إن باريس تسعي بثقلها الأوروبي إلي تسييج منطقة المغرب العربي في وجه الزحف الأمريكي الكثيف، حيث باتت الشركات الأمريكية تنافس كبريات الشركات الفرنسية في المغرب العربي كما أن الشركات الأمريكية تعاقدت مع دول الإتحاد المغاربي للإستثمار في قطاع الطاقة علي مدي السنوات العشر المقبلة، مما جعل الشركات الفرنسية العملاقة تتحرك ضد التسلل الكبير للشركات الأمريكية المتعددة الجنسيات إلي مناطق المغرب العربي والتي كانت مدعومة من قبل الإدارة الأمريكية التي نجحت في فرض نوع من الوصاية والضغط علي السياسات المغاربية.

الموقف المغاربي

إلا أن العنصر السلبي في سلوك الدول المغاربية وسط الصراع الفرنسي الامريكي يبرز في إنعدام التوازن الإقتصادي والسياسي مع أوروبا، هذا الإختلال الذي سمح بتنامي الإقتصاد الأوروبي وتوسعه علي حساب المغاربيين وبدون منفعة متناسبة مع ثرواتهم وقدراتهم وفعلهم، وهذه الوضعية هي نفسها التي فتحت شهية الأمريكيين للإسثمار في كل القطاعات في المغرب العربي، بدء من توريد السلاح وإلي توريد القمح والمنتجات الأخري، حيث لم تجد واشنطن أي صعوبة تذكر في إخضاع منطقة المغرب العربي لتوجهاتها، وحتي ليبيا رضخت في نهاية المطاف لواشنطن. وحسب الإستراتيجيين في الإدارة الأمريكية فإن الوجود الأمريكي في إفريقيا والذي بات ملموسا في كل مكان ومترافقا مع كل أزمة لا يمكن أن يستكمل إلا بتعزيز هذا الوجود في الشمال الإفريقي الذي يتمتع بغني كبير في مجال الثروات الباطنية والطبيعية والمعدنية.

ومثلما ينعدم التوازن بين الدول المغاربية والدول الأوروبية الأمر الذي يجعل المنطقة في دائرة التأثر والإنفعال السياسي والإقتصادي، فإن الوضع هو عينه مع الولايات المتحدة الأمريكية حيث إنعدام التوازن بالمرة بين واشنطن والدول المغاربية، ولذلك ستمارس فرنسا كما أمريكا الإبتزاز في حق الدول المغاربية التي تحتار في مسلكيتها السياسية والإقتصادية والثقافية والإستراتيجية.

ان المعضلة الأساسية تتمثل في انعدام خطة تنسيقية بين الاقطار المغاربية في مجال التعاون والتكامل الاقتصادي فيما بينها أو مع الاتحاد الأوروبي، أو مع الولايات المتحدة، ويكمن وراء هذا العجز بصفة أساسية عدم وجود برنامج سياسي واضح المعالم، وجعجعة دون نتيجة عن التكامل والوحدة الإقتصادية التي يتطلع اليها أكثر من 80 مليون مواطن مغاربي. والأدهي ان المنطقة تشكو من خلافات حول ملفات سياسية معقدة تحول دون هذا التنسيق، من ابرزها ملف الصراع المفتعل حول الصحراء المغربية، وتوتر العلاقات المغربية الجزائرية، واختلاف وجهات النظر في تقييم القضايا الاقليمية والدولية، ومن بينها مسألة التطبيع مع اسرائيل.

التنافس الفرنسي الأمريكي في منطقة المغرب العربي عرف مراحل انتصار وإنتكاسة لكلا الطرفين، وسيظل كذلك ان لم يكن بسبب انعدام قدرة المغاربيين الحفاظ علي التوازن، فسبب عوامل خارجية ودخول أطراف جديدة في البحث عن مناطق نفوذ وخاصة الصين وروسيا والقوي الصاعدة في جنوب آسيا.(المصدر: صحيفة "القدس العربي" (يومية – لندن) الصادرة يوم 23 جانفي 2008)

Publicité
Pour être informé des derniers articles, inscrivez vous :
Commenter cet article