La Violence, ses causes et ses effets en Tunisie
في منتدى الجاحظ : مواجهة العنف تحتاج أوّلا إلى تفهمه
محسن المزليني
على إثر أحداث التي جدّت بتونس نهاية العام الماضي والتي تعتبر أوّل صدام مسلّح عرفته البلاد منذ أحداث قفصة في مطلع الثمانينات، وفي غياب إرادة سياسية واضحة إلى حد ّالآن لمراجعة خيارات كثيرة اجتماعية وسياسية يرى كثير من الفاعليين السياسين والحقوقيين أنّها مسؤولة عن كلّ ما حدث، نظّم منتدى الجاحظ والذي يديره الوجه المعروف على الساحة الفكرية والحقوقيّة الأستاذ صلاح الدين الجورشي يوما دراسيا حول "العنف والتطرّف: محاولات لفهم الظاهرة".
ولأنّ العنف ظاهرة مركّبة ومتعدّدة المستويات يختلط فيها البعد النفسي الذاتي بالأبعاد الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، فقد ارتأى المنتدى أن يدرس هذه الظاهرة في أبعادها المتعدّدة، علّه يتمكّن بهذا المنهج الكلّي من فهم هذه الأبعاد المستجدّة في الواقع التونسي ويستطيع أن يسلّط عليها أضواء التشريح العلمي بعيدا عن الغايات الضيّقة للتناولات التي اعتادت عليها الدراسات التونسية السابقة.
لتحقيق هذا الهدف الطّموح، جمعت المحاضرات بين التحليل النّفسي وبين تحليل المنطلقات الإيديوليجية لما يسمي في بعض الأدبيات بالعنف الديني والمقاربة الحقوقية لهذه الظاهرة وما تطرحه من تساؤلات ومفارقات.
*ـ العنف في بعده النفسي: الإنسان بين الجوهر والمظهر
إنّ العنف ليس جديدا فقد لازم الإنسان منذ البداية لأنّه أحد ميكانيزماته النفسية، بهذه المسلّمة العلميّة التي تثبتها الوقائع التاريخية والحضارية افتتح الدكتور فتحي التوزري محاضرته حول علاقة العنف بالذات الإنسانية.
إنّ هذه الظاهرة ضاربة في أغوار الكائن المفرد وأحد مكوّنات شخصيته فهو ما يدفعه إلى المنافسة في أغلب ميادين الحياة وإلى تجاوز ضعفه التكويني، وهذا هو البعد الإيجابي والحيوي للعنف عند الإنسان. يبرز البعد العدواني في نفسية الطفل مع دخوله الحول الثالث، حينها يكون قد اكتمل عضويا وأصبح قادرا على الفعل والحركة.
غير أنّه ولكي لا تتحوّل هذه الدينامية النفسية الحيوية إلى سلوك عنفي مدمّر، تأتي دور المؤسّسات الإجتماعية المختلفة لتوجيهه وتصعيده ليساهم في بناء الكائن والمجتمع.
تقوم العائلة بداية بدور احتواء هذه الطاقة العنفية في سلوك متكامل ومضبوط اجتماعيان أمّا في حالة غيابها أو تغييبها عن القيام به فإنّ ذلك سيؤدّي حتما إلى نموّه خارج السيطرة كسلوك مرضي تدميري. ومن شأن عمليّة التنشئة الإجتماعية أن تعلّم الفرد تصريف انفعالاته الغضبيّة بشكل إيجابي طالما أنّ هذا الشعور هو من المشاعر الإنسانية العادية التي يؤدّي وظيفة حيويّة مثل دفع الأذى أو عدم القبول به.
كما يؤكّد التوزري أنّ العنف يصاحبه غالبا الغضب ويتمظهر عبره وهذه الدائرة المغلقة: مثير - قراءة ( إهانة) - غضب - عنف. غير أنّ هذا المسار السلوكي ليس حتميّا ولا يجب أن يكون، فإذا حضرت المستحضرات الذهنيّة وهي جملة الضوابط السلوكيّة التي يتشرّبها الفرد في أوّل مؤسّسة يتعامل معها وهي الأسرة لتعزّزها بعد ذلك بقيّة مؤسسات التنشئة الإجتماعية. ثمّ عدّد المثيرات التي تدفع الشاب لممارسة السلوك العنفي:
ـ أوّلا: السلوكات التي يتعرّض لها الشاب ويعتبر أنّ القصد منها إهانته، فإذا كان تقدير الذات أعلى هرم الحاجات الإنسانية حسب النفساني ماسلو فإنّ أيّ مساس بهذه المنطقة النفسية الحيوية تستوجب ردّ فعل، وفي كثير من الأحيان يكون الإحساس بالإهانة أحد أهمّ أسباب الفشل المدرسي، لذلك فإنّه كلّما انقصنا من مصادر هذا الإحساس إلاّ وانخفض الميل إلى العدوان.
ـ ثانيا: ارتباط العنف بصورة سيئة يستبطنها الإنسان عن نفسه وذلك نتيجة فشل فعل أو تجربة سابقة، لذلك فإنّ البرامج التربوية يجب أن تكون الوسيلة لتربية الطفل والشاب على الثقة بالنّفس وتعزيزها بما يمكّنه من تجاوز الصعوبات التي تعترضه وتنمّي رصيد الثقة فتتحوّل بذلك من عقبات إلى فرص لتنمية الذات وتطوير قدراتها.
ثالثا: الشعور بالفشل والتي تنشأ من تكرار التجارب غير الناجحة فيتولّد عن ذلك شعورا بالإهانة تسهّل الغضب وتفعّل الطاقة العنفية. لذلك فإنّ استحداث فضاءات للمشاركة وتجربة النجاح هما من أهمّ الشروط لخلق بيئة ضدّ العنف.
وبناء على ما قدّمه من تحليل للديناميات النفسية التي تتحكّم في السلوك العدواني، اقترح الدكتور فتحي التوزري جملة من الحلول العملية التي رآها تساعد على محاصرة هذه الظاهرة وإبقائها ضمن المعايير العادية ولخّصها في:
ـ تقوية ما سمّاه بمستحضرات السلوك العنفي وذلك بتقوية قدرة الفرد على السيطرة على انفعالاته وخاصّة الغضبية منها ويرى أنّ البرامج التعليمية في تونس لا تعطي الأولوية لتنمية هذه المؤهّلات، على عكس ما هو قائم في العديد من البلدان، كما أنّ المجتمع المدني المحتضر أصلا غير قادر في ظلّ غياب الحرية الضرورية على القيام بهذا الدور الخطير.
ـ تمكين الشباب من فرص الفعل والتجريب فبالمشاركة والنجاح المتكرّر يستطيع الشاب أن ينمّي قدراته على حلّ ما يستشكل عليه ممّا يزيد في رصيد ثقته بنفسه وبمن حوله وبالحياة بصفة عامّة، أمّا استراتيجيات الضغط والضبط فعاقبتها الإحباط وتنمية سلوك عدواني مدمّر لا يمكن السيطرة عليه سواء وجّه إلى الآخرين في إلى الذات في شكل إدمان على ما يغيّب عن الوعي.
ردّ الإعتبار: يؤكّد التوزري على ضرورة رد الإعتبارّ للشّاب وتثمين ما يفعله لأنّ في ذلك تعزيز للشعور بالرضى والتي هي ضروريّة للإنسان عامّة والشباب خاصّة وبدونها سيبحث الشاب عن تعويض في مكان آخر ولو كان رمزيّا.
وفي ردّه على أسئلة الحاضرين أكّد أنّ الدين مدرسة لتربية النّفس وهو ضروري لكن الإشكال هو إقصاؤه عن الفضاء العام بعد اعتباره شرطا تخلفيا لدى فئة مهمّة من النخبة التي تولّت مقاليد دولة الإستقلال، فعودة الدين كانت من باب الإحتجاج على هذه الدولة. بل لقد تحوّ ل إلى حامل رئيسي لعمليّة المعارضة السياسية للدّولة وللهيمنة الغربية.