Etude de la violence et son ideologie
*ـ العنف في منطلقاته الإيديولوجيّة:
بناء على ما تقدّم من عرض للآليات النفسية التي تتحكّم في السلوك العنيف، فإنّ السؤال الذي يطرح هو كيف تتحوّل هذه القوّة العنفية الكامنة إلى سلوك عنيف؟ هنا يأتي المستوى الثاني في إدراك هذه الظاهرة وهو مستوى التبرير العقلي أو التأسيس النّظري الذي يجعله سلوكا مشروعا ومبرّرا أخلاقيا لمن يمارسه وهو التبرير الإيديولوجي أو الأسباب السوسيو ثقافية المحدّدة والمؤثّرة فيها
وهو ما كان محور الجلسة الثانية وضمّت مداخلتين، تعلّقت الأولى ببحث المرتكزات النظريّة لما سمي بالتيار الجهادي في مصر من خلال قراءة لكتاب "الفريضة الغائبة" لعبد السلام فرج وقدّما الباحث سامي براهم.
أكّد المحاضر أوّلا على أنّ العنف لم يرتبط تاريخيا بإيديولوجية دون غيرها إذ لم يخل سجلّ أيّ قبيلة فكرية أو رؤية تغييرية في الوطن العربي من استعمال "مذهب ابن آدم الأوّل"، ممّا يعني أنّ العنف قوّة كامنة في الذات الإنسانية تبحث دائما عن غطاء شرعي قد يتغيّر بين الفترة والأخرى حسب سوق العرض الإيديولوجي.
ثمّ أشار إلى أنّ هذه الظاهرة نشأت تاريخيا في ظروف استثنائيّة أي داخل السجون والمعتقلات في مصر حيث مثّل الفكر القطبي بداية التأسيس لمعالم الطريق النظريّة الحديثة لممارسة العنف الثوري بغطاء ديني،وهو ما يفسّر الطبيعة الانعزالية لهذا الفكر وعلى سرعة تدحرجه من قضيّة إلى أخرى وخلطه بين المستويات المتعدّدة لأنّ غرضه ليس منطقيا وعلميا
وإنّما بحثه عن مسوّغات عمليّة، لذلك فإنّ استعماله للمفاهيم الدينية سيعتمد على الانتقائية وفصل الحكم أو الفتوى عن تاريخيتها والخلط بينهما دائما.
مفهوم الحاكميّة: هو أحد المفاهيم ـ المفتاح (براديغم) في الفكر الجهادي، كما يرى الباحث، وهو ذو شحنة عالية نظرا لبعده المتعلّق بالذات الإلهيّة ولخلطه المقصود بين مستويات الإلهي المتنزّه والبشري النّسبي، وهذا المفهوم ابتدعه العالم الباكستاني أبوالأعلى المودودي وذلك قبل أن تستقلّ باكستان عن الهند وذلك حرصا منه على تميّز الأقلية المسلمة هناك ووعيها بذاتها
و لذلك رفض أيضا مفهوم الديمقراطيّة واعتبرها كفرا لأنّها ستؤدّي عمليّا إلى ذوبان الأقلية داخل حزب المؤتمر الهندي الذي كان يقود معركة الاستقلال، أمّا هذه التيارات فتعني به وجوب أن يشمل الإسلام كلّ العالم، فالحاكميّه يجب أن تعمّ وهو تصوّر تبسيطي يحاول أن ينفي المختلف، ثمّ يتدرّج بشكل خطير من المفهوم إلى إنفاذه والذي هو بنظر مسؤولية المسلم.
وكلّ تقصير في آداء هذه المهمّة هو عدم استيفاء لواجب، كما يقوم هذا التصوّر على مطابقة بين الفهم البشري للنصّ ومراد الله، لذلك فليس غريبا أن تمتح هذه الأفكار من معين فكر ابن تيميّة طالما أنّه ينفي عن النصّ أيّ بعد مجازي ويجعل حقيقته في منطوقه الظاهر.
وهذا خطير برأي الباحث لأنّ العلاقة ليست آلية، فالخطاب ليس هو نصّ الحكم وإنّما ما يفهم منه وهذا الفهم هو فهم بشري وبالتالي نسبي. كما أنّ الخلفيّة التي تتكوّن جرّاء هذا المفهوم تتبنّى آليا عمليّة فرز للمجتمع على قاعدة الولاء والبراء والتي على أساسها يتمّ تحديد الأعداء.
والملاحظ أنّ هذا الفهم يؤدّي إلى توسيع قاعدتهم (الأعداء) بالتوازي مع استعمال منهج متدحرج يزيد يوميا من الفرز وإعادة الفرز، بحيث يغدو المنطلق: الأصل في الحكم على النّاس الاتهام والبراءة تحتاج إلى دليل. وهذا الدليل يٌشدّد مع كلّ موجة عنف جديدة.
وهكذا تسرّب مفهوم الجرح والتعديل من ميدان علوم الحديث حين كان يعتبر مقياسا للتأكّد من صحّة الراوي ودرجة صدقيته في نقل الحديث النبوي إلى مجال محاسبة النّاس في دينها وأخلاقها.
وهذا ما يؤدّي إلى كثير من الحيف إذ تبدأ سلسلة من التكفير وتكفير من لا يكفّر فتنغلق الدائرة بذلك على نواة صغيرة حديديّة هي النواة المؤمنة يتّخذون لها أسماء موحية بعقلية الفرز والإقصاء ووهم التميّز "الجماعة المسلمة" أو "جماعة الإسلام" أو "أهل السنّة والجماعة".
ثمّ يتمّ استغلال مفهوم الجهاد بإعطائه شحنة وثوقيّة جديدة تختزله في البعد القتالي الهجومي يستمدّونها من فهم تبسيطي لما سمّوه ب"آية السيف" والتي نسخت عندهم ما يزيد عن 164 آية تتحدّث عن الحريات وتؤسّسها. كما أنّ حالة الجهاد بنظرتهم الوسائليّة الضيّقة تجيز لهم استحلال كلّ ما يمتلكه خصومهم، وبذلك يُفقدون الحضارة الإسلاميّة أحد أعظم ما قدّمته للبشريّة وهي أخلاق الحرب والتي نجدها في الوصايا النبويّة لكلّ سريّة أو جيش بضرورة تجنّب قتل الشيخ والصبي والنساء والجرحى وهو نفس السلوك الذي بقي مرعيا في غالب التاريخ الإسلامي.
أمّا الخصوم فيحدّده عندهم نمط الجهاد والذي يقصّم إلى "جهاد دفع" ويقصدون به مقارعة العدوّ الأجنبي و"جهاد طلب" ومداره فعل هجومي لمقاتلة من يعتبرونه عدوّا ليصلون في النهاية إلى ما يسمّونه ب"جهاد الردّة" ومهمّته مقارعة المجتمع المحلّي وسلطته باعتبارهما مرتدّين عبر منهج تبسيطي يذكرنا بطريقة بعض غلاة الفرق الهامشية في تاريخنا الإسلامي.
كما أنّهم يختزلون الدعوة بما هي رسالة يومية للمسلم إلى مستوى واحد أو وحيد وهو الجهاد بمعناه القتالي الصرف.
يتشكّل هذا الفكر إذن من خلال نظرة مبسّطة للذات والعالم تنفر من الوسطيات وتبحث عن الحسم وتهفّ إلى أحكام حديّة إمّا أسود أو أبيض. وهو بلا شكّ فكر مفوّت غير أنّه سهل القبول في الكثير من الأوساط لسبب بسيط هو أنّ الأزمة التي بات عليها المجتمع تدفع الإنسان إلى الهروب من قلقه حتّى بالاحتماء بيقينيات تبسيطيّة تمنحه الاطمئنان ولو كان موهوما.
أمّا المحاضرة الثانية في هذا المحور فكانت للمحامي والناشط الحقوقي يوسف الرزقي وتناولت "مراجعات الجماعة الإسلامية بمصر: قراءة في النصوص".
اعتبر المحاضر أنّ أدبيات المراجعة في الفكر العربي قليلة إن لم تكن نادرة عند كلّ التيارات وأيا كان مرجعها ديني أو علماني وأيّا كان موقعها في السلطة أو المعارضة ويرجع ذلك إلى وثوقية تصيب الجميع تمنعهم من تبنّي مسألة النقد الذاتي كما ارتبط ذلك أيضا بطغيان عبادة الشخصية. ثمّ عرض لأهمّ المراحل التي مرّت بها الجماعة والعوامل التي أدّت إلى تبنيّ فكرة المراجعات عندهم. أمّا النقاط التي ركّز عليها الأستاذ الرزقي فهي أدبياتهم حول مراجعة:
أوّلا: فكرة التكفير، إذ اعتبرها المراجعون آفة أهدرت الكثير من الدماء رغم أنّها بداية كانت من أجل الإصلاح. ذلك لأنّها كانت ردّ فعل ضدّ الظلم الذي مارسته الدولة منذ عبد الناصر. ويرى أنّ المراجعين قاموا بقراءة عكسية لما كانوا يتداولونه حيث صار نقض فكرة التكفير يؤسس على قراءة تعتبر الحكمة والموعظة الحسنة استراتيجيا الدعوة إلى الإسلام وليست مجرّد منهج تكتيكي ارتبط بحالة الضعف المؤقتة التي كان عليها المسلمون قبل الفتح الأعظم، كما أنّ الغلوّ صار ينظر إليه على أنّه دليل على ضعف البصيرة.
أمّا عمليّا فقد رأى المراجعون أنّ التكفير لا يؤدّي إلاّ إلى مفاسد عظيمة، ورجعوا إلى ذات الفكر (كتب ابن تيمية وابن القيم...) ليبرزوا أنّ التكفير بناء على نظريات هؤلاء لم يكن إلا باتباع قراءة انتقائية لما كتبوه. كما أكّدوا على أنّ موالاة العدوّ التي تخرج من الملّة هي الموالاة القلبية وهو شأن لا يمكن الاستدلال عليه.
ثانيا: فكرة الجهاد. أكّد المراجعون أنّ الجهاد ليس غاية بل هو وسيلة، منطلقين من نظريّة ابن تيمية في ذلك ومؤدّاها "أنّ الأمر بالمعروف لا يجب أن يؤدّي إلى منكر أكبر منه"، وهكذا فقد صاروا إلى التذكير بحرميّة استهداف المدنيين والمستأمنين.
ولاحظ المحاضر أنّ المراجعات استندت إلى مصادر دينية واسعة ومن بينها كتب للشيخ يوسف القرضاوي الذي لم يتعوّد فكر الجماعة الإسلامية التقليدي على الاعتماد عليه.