Le chemin difficile pour une 2° republique en Tunisie
تونس: الطريق الصعب للجمهورية الثانية!
محمد النوري - باريس
لا يمكن أن تمر الذكرى الخمسون للإعلان عن الجمهورية دون مساءلة وتقويم. مساءلة الماضي بكل أبعاده، وقراءة الحاضر للانطلاق نحو المستقبل! حيث أن تونس توجد اليوم في مفترق الطرق على جميع المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والقيمية مما يستوجب مساهمة الجميع في التفكير الجدي والعميق في تشخيص الأوضاع وتحديد الأولويات واستشراف السيناريوهات المستقبلية.
إننا اليوم في أمس الحاجة إلى مثل هذه الوقفة التاريخية الجادة لتقييم الأشواط التي قطعتها بلادنا على درب التنمية البشرية خلال نصف قرن بنجاحاتها وإخفاقاتها، من أجل استخلاص العبر من اختيارات هذه المرحلة و ترسيخ التوجهات الايجابية وإنفاذ الإصلاحات الضرورية. ويجب أن تتسم هذه الوقفة بكثير من الجرأة والشفافية والنزاهة والموضوعية وان تعبر عن روح وطنية عالية تثمّن الانجازات دون تردد وتنتقد الاختلالات دون مواربة أو تحفظ!
إن مرور خمسين عاما من عمر الجمهورية هو لحظة فريدة لا يكررها التاريخ وافق زمني متميز لانجاز عمل معرفي من اجل الذاكرة والمستقبل وانجاز حوار وطني حول التساؤلات الملحة لتونس اليوم التي تعيش انتقالات حاسمة تزاوج بين انشغالات النمو الاقتصادي والانفتاح السياسي والتماسك الاجتماعي.
حصيلة متداخلة: مكاسب وإخفاقات:
تكاد تكون تونس فعلا بلد المفارقات والثنائيات العجيبة! فهي تجمع بين الانفتاح الاقتصادي إلى حد الانكشاف التام والانغلاق السياسي المثير،بين الثراء الفاحش لفئة من المتنفذين والفقر المدقع لشريحة تتسع يوما بعد يوم من المعدمين، بين المحافظة على التقاليد والتشبث بالتراث والانبهار بالثقافة الغربية إلى حد الاستلاب، بين العودة القوية إلى الدين والدعوة إلى التخلص منه تحت لافتات متعددة تتراوح بين الحداثة العلمانية المتطرفة وظواهر الإلحاد وعبادة الشياطين! بين الانتماء التاريخي والحضاري للشرق والارتماء في أحضان الغرب،بين الإصرار على التمسك بالنظام الجمهوري ودولة القانون والمؤسسات والتخوف من الإصلاح الحقيقي الذي يقود إلى الانتقال إلى الديمقراطية والتداول على السلطة وإرساء الحريات!
هذه المفارقات الصارخة يراها البعض علامة صحية على حراك الدولة والمجتمع في اتجاه التحول الهادئ نحو الديمقراطية والتعددية السياسية. ويراها البعض الآخر دليلا على استفحال الأزمة واضطراب التوجهات و تكريس الاستبداد!
ولذلك تتراوح مواقف النخبة وتقويماتها لمسيرة التجربة الجمهورية، بين التشاؤم والتركيز على الاخلال والإخفاقات من جهة، و الإفراط في التفاؤل وإبراز الانجازات من جهة أخرى! فالخطاب الرسمي وبعض الأطراف المساندة له (معارضة الموالاة كما يقال!) لا يكاد يحفل سوى بالإشادة بالمنجزات والتباهي بالمكاسب، ولا يكاد ينظر إلى مواطن القصور والسلبيات إلا نادرا أو من باب القصور عن بلوغ الكمال!
ولا يمكن لأي طرف كان إغفال هذه المكاسب والمنجزات أو إنكارها وان كان له الحق أيضا في تقدير حجمها ونواقصها والوقوف عند الوجه الثاني السلبي من المعادلة أي هذه الحصيلة المبعثرة لمسيرة البلاد منذ خمسين سنة!
وبناء على ذلك، تتباين الآراء في أوساط المعارضة بين التشدد والواقعية في التقييم . فهناك من يعتبر أن الحصيلة سلبية بكل المقاييس وان تونس لم تعرف بعد النظام الجمهوري ، من حيث إقرار الحريات والفصل بين السلطات ونزاهة الانتخابات. وبالتالي فان شكل الحكم القائم لا يعدو سوى صورة مشوهة للجمهورية بالمفهوم المتعارف عليه دوليا ،فهو خليط بين النظامين الملكي و الجمهوري خصوصا بعد تعديل الدستور مرارا وتكرارا لمنع التداول واعتماد الرئاسة المؤبدة ولو بشكل غير مباشر.
وهناك من يميل إلى موقف أقل تشددا في تقدير الأمور ويعتبر أن الحصيلة العامة وان كانت تنطوي على بعض المكاسب والانجازات، فهي تعاني في نفس الوقت من العديد من الشوائب و الاخلال التي تبتعد بها يوما بعد يوم عن المواصفات الأساسية للجمهورية. وبالتالي فان التحدي الرئيسي المطروح اليوم بعد هذه المسيرة الطويلة يكمن في كيفية الانطلاق من هذه المكتسبات وان كانت محدودة، للانتقال بالبلاد إلى مرحلة جديدة تكون فعلا في اتجاه إعلان الجمهورية الثانيةّّ! ولن يحصل هذا التحول الحقيقي سوى بالإقدام على الإصلاحات الضرورية وتلبية المطالب المشروعة لقوى المجتمع.
وأيا كان التقدير فان تنامي الطلب على الإصلاح واستمرار نفس المطالب السياسية التي كانت حاضرة غداة الاستقلال لحد اليوم، وغياب الحريات والتداول على المسؤولية وإقصاء المعارضة الوطنية وعدم احترام الحقوق الأساسية للمواطن في كثير من الحالات، كل ذلك يطرح على السلطة أسئلة حقيقية مشروعة حول مدى التزامها بمبادئ الجمهورية ومدى إتاحتها الفرصة لكي يتمتع التونسيون بثمارها طيلة هذه الحقبة الزمنية الطويلة.
إن المدلول الأصلي للنظام الجهوري يعني سيادة الشعب ومشاركته في تدبير الشأن العام من خلال اختياره لحكامه عبر انتخابات حرة وشفافة والاستجابة لحاجة المجتمع في الحرية والكرامة والرقي. فهل يستطيع احد اليوم أن يقر بتحقق هذه المطالب الأساسية التي تشكل الأسس الأصلية التي تقوم عليها الجمهورية ؟ أم انه لا مفر من الاعتراف بنواقص جوهرية في المسيرة السياسية للبلاد؟ أليست التساؤلات الكبرى التي كانت مطروحة قبيل الاستقلال حول قضايا الحرية والهوية والتنمية لا تزال قائمة في جوهرها لحد اليوم، وربما تطرح الآن بإلحاح أشد وتحديات أعظم؟
سؤال الحرية:
لن نذهب بعيداً عن الحقيقة عند القول أن سؤال الحرية المطروح اليوم لا يختلف كثيرا عن سؤال الأمس رغم اختلاف وجهات النظر في طريقة تناوله، وان تحرر الوطن من الاحتلال منذ نصف قرن لم يفض إلى إرساء الحرية ليتحرر المواطن وليتمتع بحقوقه المدنية والسياسية.
إن إعادة طرح السؤال اليوم يكتسي صبغة وطنية إستراتيجية تتعلق بتقويم مسيرة الاستقلال و ما حققته الجمهورية للتونسيين خلال هذه الفترة الطويلة. فهل آن الأوان للانتقال إلى الجمهورية الثانية التي يتطلع إليها الجميع بعد أن قطعت البلاد أشواطا هامة على درب التنمية البشرية بنجاحاتها وإخفاقاتها وانجاز ما ينتظره التونسيون منذ الاستقلال من حرية وكرامة وتعددية ومشاركة سياسية ؟
الناظر إلى الواقع التونسي اليوم لا يساوره شك في أن سؤال الحرية لا يزال عالقا بأتم معنى الكلمة و هو يتراوح بين حالتي الغيبوبة والنقص الفادح تماما مثلما هو شان المجتمعات العربية دون استثناء مع وجود بعض الفوارق التي لا يجب إغفالها.
لقد ظن التونسيون في بداية بناء الجمهورية أن الحرية تعقب تلقائيا عملية التحرر من الاستعمار المباشر والنفوذ الأجنبي وساد الاعتقاد لفترة طويلة بأن أعظم أشكال الحرية هو التحرر من المحتل والمستعمر و لم يلتفت كثيرون إلى أن حرية المواطن تحتاج إلى نفس الجهد الذي بذل من اجل حرية الوطن وربما أكثر ولا أدل على ذلك من غياب الحريات المدنية والسياسية بشكل واضح طيلة العقود الخمسة الماضية وحرمان المواطن من حقوقه الأساسية في التعبير والتفكير والتنظم والمشاركة في صناعة القرار والتدبير للشأن الوطني بما يتناقض تماما مع الدستور من جهة و مع الواقع الدولي السائد المتجه نحو اتساع نطاق الحرية في مختلف مناطق العالم من جهة ثانية، الشيء الذي حرم البلاد من أن تكون تجربة رائدة في المنطقة وأضاع عليها فرصة اللحاق بصف الدول المتقدمة في هذا المجال!
يتساءل العديد من التونسيين بهذه المناسبة عن ماذا تحقق من مطالب الاستقلال وشعارات الجمهورية بعد خمسة عقود كاملة؟
لقد تحرر الوطن من الاستعمار المباشر ولكن هل منح الحرية لمواطنيه؟ وهل يكفي التذرع بتحسن الأحوال المعيشية وانتشار التعليم وتطور العمران لتبرير الكبت ومحاصرة الحريات وإقصاء شرائح هامة من المجتمع من حقها في المشاركة في الشأن العام؟ وماذا بقي من معاني النظام الجمهوري إذا وئدت الحرية وحرم الفرد من حقه في التعبير؟
إن من ابسط معاني الجمهورية مشاركة الجمهور في تدبير الشأن العام والمسؤولية المشتركة في ذلك! فهل يشعر التونسي اليوم بهذا المعنى ؟ أم أن تأبيد الوضع ولّد حالة من التعايش مع الكبت وانعدام الحرية؟
وللأسف الشديد، ليست تونس شاذة في هذا المجال إلا في مستوى التضييق على الحريات ودرجة الانتهاك للحقوق الفردية والجماعية إذا ما قورنت بسائر الأقطار العربية خصوصا. فقد كشفت تقارير التنمية البشرية للأمم المتحدة عن حالة خطيرة ومزرية وتدني فادح لمستوى التمتع بالحرية في سائر الأقطار العربية دون استثناء. وإذا حدث هذا الاستثناء فإنما يتعلق بدرجة القهر المسلط على المواطن العربي وغلو السلطات في خنق مساحات الحرية والحقوق الأساسية للفرد والمجموعات! فالإنسان العربي يعيش بين الحصار والإقصاء وبينهما يسلط عليه ألوان من الانتهاك المعمم لحرياته وحقوقه السياسية والمدنية.
ومن المؤلم أيضا أن تونس مثلما يشار إليها ايجابيا على صعيد التطور الاقتصادي والاجتماعي من حيث الحصيلة العامة للتجربة الاستقلالية، مقارنة بباقي دول المنطقة العربية والإفريقية، يشار إليها بالأصابع سلبيا على صعيد الحريات وحقوق الإنسان بشهادة المنظمات الإقليمية والدولية المحايدة!
سؤال الهوية:
هناك إجماع بين الباحثين والمثقفين في البلاد على أن المجتمع التونسي، كسائر المجتمعات العربية الأخرى، يمر بأزمة ثقافية حادة تكاد تتحول إلى حالة من الفتنة التي تفقد الكيان القدرة على التمييز بين الصواب والخطأ ، تتمحور حول سؤال الهوية الذي يتنازعه تياران : تيار الحداثة الغربية وتيار المرجعية الإسلامية .
ومن الملاحظ أن هذا التنازع والصراع الثقافي حول موضوع الهوية بدأ بمشروع البحث عن الذات والدفاع عن الهوية في مواجهة المحتل واستمر طيلة هذه الحقبة الزمنية في محاولة التخلص من محاولات التغريب والعلمنة والهيمنة الثقافية التي ازدادت وطأتها باكتساح العولمة والغزو الثقافي للقيم الغربية عبر ثورة المعلومات الشئ الذي زاد من مخاوف الشعوب على ضياع الهوية وساهم في المزيد من العودة إلى الدين كملاذ وحيد لمنع الاغتراب والذوبان الثقافي.
يعكس سؤال الهوية اليوم في تونس وغيرها نوعا من القلق الاجتماعي يستفز كل الأطراف ويساهم في تغذية ثقافة الخوف والإقصاء والدفاع عن الثوابت من قبل الجميع. فالطرف العلماني المتشدد يرى في تنامي الظاهرة الدينية بشقيها السلمي والعنيف بالإضافة إلى حفاظ الدولة على علاقة وثيقة بالدين ، خطرا على ما يعتبره توجه حداثي وعلماني وان كان بشكل مقنع للجمهورية.