Le Dialogue avant le Suicide

Publié le par BOUCHADEKH Abdessalem

تونس: خيارات الحوار والانتحار

د.عبد المجيد النجار - أستاذ جامعي مقيم بباريس

 

إن يعجب المرء من شيء مما يجري في أرض الخضراء فإنه لا يجد أدعى للعجب من أزمة الحوار فيها، ومصدر هذا العجب هو تلك المفارقة الصارخة بين الدواعي التاريخية والثقافية والمصلحية لأن يكون الحوار البنّاء بين مكوّنات المجتمع السياسية والثقافية هو الصراط المستقيم الذي تستوي عليه العلاقات، وتُحلّ به المشكلات، وتُفرج الاحتقانات، وبين الواقع الجاري الذي يعاني فيه الحوار أزمة خانقة، تتراكم بها التوتّرات، وتتباعد بها الشقّة بين الأطراف المكوّنة للمجتمع، ويرتبك بها مسار التنمية في مستوياتها المختلفة،

 

وهي أزمة لا تتمثّل فقط في انسداد شبه كلّي لمسالك الحوار ابتداء، ولكنها تتمثّل أيضا في اعوجاج منهجي تجري عليه بوادر حوار في فرص نادرة تحدث أحيانا، مما يؤذن بأنّ حوارا لو توفّرت ظروفه وتجمّعت أسبابه فإنه قد لا يثمر شيئا، بل قد ينتهي إلى نتائج سلبية يكون الصمت أفضل منها.

 

إنّ المجتمع التونسي يتوفّر على مخزون من مقدَّرات الحوار المثمر قد لا يتوفّر عليه غيره من المجتمعات المشابهة، فهو مجتمع ورث الانفتاح على ثقافات وحضارات تواردت عليه من شرق ومن غرب عبر العصور في حركة لا تهدأ، ابتداء بالمدّ الفينيقي وانتهاء بالمدّ الاستعماري مع موجات متتالية فيما بينهما في اتّجاهي الأخذ والعطاء، وهو ما من شأنه أن يجعل هذا المجتمع مطبوعا على قابلية عالية للانفتاح على الآخر، والسماع إليه، والتعاطي معه، وتلك كلّها من دواعي الحوار وشروطه وأسبابه.

 

وقد كانت الثقافة في المجتمع التونسي طيلة تاريخه ثقافة حوارية صنعها طراز التعليم الذي كان سائدا فيه ويحمل لواءه جامع الزيتونة المعمور كما أشار إليه ابن خلدون في مقدمته، وكما نقل عن معاصره الإمام الأكبر شيخ جامع الزيتونة محمد بن عرفة الورغمّي من أنه بالرغم من إمامته في العلم والتعليم كان يعود كلّ مساء إلى بيته بكتب يقضي الليل في النظر فيها، فكلّمته زوجته في ذلك عاتبة عليه، فقال لها قولته الشهيرة: كيف أنام وأنا سأصبح بين أسدين: الأبّي بعقله والبسيلي بنقله، إشارة إلى طالبين من طلاّبه كانا يترصّدانه في الدرس بالحوار الدائم، وكانت الثقافة تجري على ذلك السمت الحواري.

 

وفي العصر الحديث بُني التعليم على أساس من الحوار، وهو ما خبرته عيانا في مراحله الثلاث التي مررت بها في عملي الوظيفي، وكانت تلك إحدى ميزات التعليم في عهد الاستقلال، وهي الميزة التي جعلت خرّيجي هذا التعليم يتفوّقون منهجيا أينما حلّوا بجامعات العالم ومؤسّساته العلمية، وقد وقفت أيضا من ذلك على عيّنات كثيرة في جامعات مختلفة مشرقا ومغربا.

 

فإذا ما أتينا إلى الواقع الذي يعيشه المجتمع التونسي سياسيا وثقافيا وإيديولوجيا وجدنا احتقانا على تلك المستويات كلّها، ووجدنا تناقضات ومشكلات تتراكم بمرور الأيام، وليس لها من حلّ إلاّ في حركة حوارية نشيطة تجري بين الأطراف ذات العلاقة، سواء على مسرح السياسة أو على مسرح الفكر والثقافة، لتُفكّك بهذه الحركة الحوارية عُقَد الاحتقان السياسي والثقافي إلى عناصرها الأولية، وتوضع على بساط البحث وتداول الرأي، ليقع الانتهاء فيها إلى مساحات من الاتّفاق، وتحرّر مساحات الاختلاف على بيان. وتلك داعية جليّة من الدواعي المصلحية العملية لدوران الحوار وسيرورته بين الأطراف.

 

إنّ هذه الأسباب المتعدّدة الداعية إلى قيام حوار مثمر في تونس لا يقابلها في الواقع إلاّ أضدادها من الانغلاق والانكماش والترافض والإقصاء، وهو مكمن العجب الذي أشرنا إليه أعلاه، إذ الأسباب في حكم العادة تفضي إلى مسبّباتها، والدواعي تلد نتائجها.

 

في تونس نظام حاكم يستند إلى حزب قديم تربّى وربّى أجيالا على الرأي الواحد فيما يشبه احتكارا للحقيقة صدقا مع النفس على سبيل التوهّم، أو حفاظا على المكاسب التي تلدها في العادة السياسة الأحادية، كما يستند إلى قبضة أمنية غليظة تعمد إلى تسوية الصفوف على أساس ذلك الرأي الواحد، وإلى إنجازات قد تكون محلّ نزاع في درجتها ولكن لا تنازع في أصل وجودها، وهو بهذه المستندات لا يأبه كثيرا بالرأي المخالف، ولا يقيم له وزنا، بل قد لا يرى له أحيانا حقّا في الوجود؛ وهو مرتاح إلى وضعه هذا فلا يرى داعيا لحوار مع آخرين قد لا يحصل منه في حقّه كما يرى سوى شيء من الصداع؛ ولذلك فهو يبدو غير معنيّ بهذا الحوار الذي يراه غير ذي موضوع ما دامت تلك المستندات القويّة قائمة.

 

وقد تعالت منذ زمن أصوات تدعو النظام الحاكم إلى إدارة الحوار في قضايا عديدة من قضايا المجتمع المختلفة التي تتراكم مضاعفاتها وتشتدّ احتقاناتها، وما فتئت تلك الأصوات تنبّه إلى خطورة تلك القضايا، وتنذر بخطير مآلاتها إن لم تفكّك عناصرها بالحوار، ولكنّ الجواب كان دوما مشتقّا من منطق النعامة، حتى إذا ما نشب العنف المسلّح في أطراف العاصمة قبل ثلاثة أشهر كان ذلك مصداقا لتنبيه المنبّهين ونذير المنذرين الذين تعالت أصواتهم بأنّ البديل عن الحوار هو العنف الأهوج،

 

ولكن يبدو إلى حدّ الآن أنّ الدرس لم يقع استيعابه، ومع ذلك فإنّ الأمل ما زال فيه شيء من الفسحة لولا خوف حقيقي من أن يعاجَل هذا الأمل بابتلاء آخر أشدّ قسوة لا يصيب المتقاعسين عن الفهم خاصّة وإنما يصيب الناس كافّة، إذ الفتنة عمياء لا تختصّ مرماها وحده بالإصابة، والسنن الاجتماعية ماضية فيما يشبه سنن الطبيعة لا تعرف المحاباة للنوايا الحسنة، ولا الاستكانة للقبضات الغليظة.

 

ما ضرّ هذا النظام لو فتح مع معارضيه من مختلف الاتجاهات حوارا جدّيا، يحسن فيه الاستماع، وله أن يحسن بعد ذلك الجواب، وتكون الحجّة فيه هي سيّدة الموقف فيما يُستمع إليه وفيما يُجاب عنه، ألا توجد في تونس مشكلات حقيقية تطلب حلاّ مهما ادُّعي من إنجازات تحقّقت ومكاسب حصّلت؟

 

ماذا يمكن أن نسمّي وضع أولئك المساجين الذين قضوا من حياتهم سبعة عشر عاما في أقبية الهلاك، يأكل الزمن أعمارهم حتى يوشك أن ينهيها بالعدّ التنازلي، ويقضم الموت أجسامهم جزءا فجزءا حتى يوشك أن يأتي عليها كما أتى على آخرين من قبلهم، وتحرق الأحزان أكباد أمهاتهم وآبائهم وأزواجهم وذرياتهم حتى توشك أن تطرحهم حطاما، فإذا المشهد يسفر عن مأساة يضاعف من شدّتها ما يقول البعض فيها من أنها ليست إلا عقابا مستحقّا على إجرام اقتُرف في شأن الحقّ العام؟

 

ماذا يمكن أن نسمّي هذا الإعلام المنغلق المنخنق الذي أصبح لا يدانيه في الرداءة إعلام؟ ماذا يمكن أن نقول في هذا الاحتقان السياسي الذي تستحكم حلقاته يوما بعد يوم فتخنق الأنفاس وتوشك أن تترك الأرض السياسية أرضا مواتا؟

 

وماذا يمكن أن نقول في هذا التقلّص الرهيب في آمال الشباب الذي هو مستقبل الوطن حتى أصبحت غاية تلك الآمال أن يركب البحر في قوارب الموت؟ أليست هذه وغيرها مشاكل تستحقّ أن يكون في شأنها حوار تتضافر فيه الجهود للبحث عن مخرج يجنّب البلاد مآزق مظلمة لو استمرّت على هذه الوتيرة من الاستفحال؟

 

وإلى جانب هذا الرفض للحوار من قِبل القيّمين على شؤون البلاد وهو المسؤولون قبل غيرهم على الدفع إليه وتيسير سبله يأتي رفض آخر من قِبل فئة الاستئصال، تلك التي ترفع شعارَ " لا حرية لأعداء الحرية"، وهو شعار لا ينطبق إلا عليها هي دون غيرها، فهذه الفئة تزعم أنها هي القيّمة على لائحة المكوّنات للمجتمع التونسي، فتدرج فيها من له حقّ في أن يشمله الحوار، وتطرد منه من ليس له حقّ فيه، والحال أنها في الميزان الشعبي ليس لها مثقال ذرّة من مصداق، وعلى كلّ حال فإنه من بشائر المستقبل أنّ هذا الضرب من الرفض الاستئصالي ينقرض شيئا فشيئا بانقراض الفئة الداعية إليه.

 

وبالإضافة إلى هذا الوجه من أزمة الحوار المتمثّلة في ضيق مساحاته وانسداد أبوابه ثمّة وجه آخر منها يتمثّل في اعوجاج منهجي فيه حينما تبرق بوارق منه، وكأنما طول غيابه عن الساحة أنسى الناس دروبه الصحيحة، وذلك ما يهدّد الآمال في حوار مستقبلي قد تتوفّر ظروفه بأن يتوه هذا الحوار في مسارب مغلقة فلا تكون له ثمار، بل قد يصبح جزءا من الأزمة وقد أريد به أن يكون جزءا من الحلّ.

 

ولنضرب لذلك مثلا بما حدث في نطاق ما عرف بهيئة 18 أكتوبر من حوار أفضى إلى إصدار بيان مشترك في 8 مارس 2007، ففي حين كان الجميع يشكو مرّ الشكاوى من انعدام الحرية السياسية والفكرية والإعلامية، ومن مصادرة الإرادة الشعبية من قِبل فئة محدودة هي الفئة الحاكمة، ومن التبعية السياسية والاقتصادية للقوى الخارجية، وكان الجميع يعلّق على هذه الطامّات كلّ المشاكل التي تحدث في البلاد، فيصبّ عليها اللعنات بدون حساب، في حين كان ذلك استُبعدت كلّ هذه القضايا من قائمة الحوار ليقع القفز عليها إلى حوار في التسوية بين الرجل والمرأة في الميراث، وإلى مجلة الأحوال الشخصية هل توضع في مرتبة القداسة فيحرم فيها كلّ قول، أم هي عمل بشري يخض للمراجعة.

 

ليس الخلل المنهجي في أن تكون هذه المسائل محلا للحوار، ولكن الخلل في قلب هرم الأولويات، وهو الذي يذكر بمنطق تلك العجوز التي يجرفها السيل وهي تمدح المطر الذي نتج عنه ذلك السيل، ويظهر هذا الخلل في صورة أبشع حينما يتبيّن أنّ تلك القضايا الكبرى التي يُصوّب اللعن إلى الخطإ الواقع فيها، وتُعلّق عليها كلّ المشاكل ليست أو ليس بعضها على الأقلّ محلّ اتفاق بين هؤلاء المتحاورين، وهو الأمر الذي سيعيد الأوضاع حينما يقع في المستقبل انفتاح إلى المربّع الأول الذي اعتبر سبب المشاكل، وهو ما يقتضي منهجيا أن يتّجه الحوار أولا إلى هذه القضايا ليقع الاتفاق فيها على رأي يُنطلق منه إلى غيره حتى الوصول إلى تلك المسائل التي بُدئ بها في الحوار في مسار منكوس بحسب ما نقدّر.

 

وحتى لا يكون هذا الحديث جزافا لنضرب المثل بقضية الخيار الشعبي ومدى مشروعيته وإلزاميته، إنها القضية الجوهرية في النظام الديموقراطي الذي ينشده الجميع، ومع ذلك فإنّ إشارات كثيرة تصدر من هنا وهناك توحي بأنّ هذه القضية الجوهرية ليست محلّ اتفاق سواء كان ذلك بسبب موقف مبدئي أو بسبب حسابات ظرفية تتناقض مع مصالح من لا يصطفّون وراء هذا الخيار، وعلى سبيل المثال ورد على ألسنة بعض المشاركين في هذه الهيئة وعلى ألسنة من هم في صفّهم الإيديولوجي في مناسبات عدّة نكير شديد يكاد يبلغ درجة التكفير السياسي لمرشح في انتخابات 1989 اقترح أن تعرض مجلة الأحوال الشخصية على الخيار الشعبي بالاستفتاء عليها، وبقطع النظر عن الموقف من هذه المجلة فإنه يحقّ التساؤل:

 

ماذا يحمل هذا النكير الشديد من دلالة غير دلالة الموقف السلبي من الخيار الشعبي؟ وماذا سيكون الموقف أيضا حينما يقترح أن يُعرض غدا على الاستفتاء الشعبي على سبيل المثال علاقة الدولة بالدين وأشباهها من القضايا ذات الوزن الثقيل؟ إنها أسئلة تؤكّد فيما نرى أنّ بارقة الحوار التي ظهرت في نطاق هذه الهيئة قد سارت في منهج معكوس، وهو ما يمثل وجها من وجوه أزمة الحوار يتطلّب التصحيح.

 

إنّ الحوار الذي ننادي به، ونحذّر من مغبّة التمادي في تجاهله والاستهتار به، كما ننادي بأن يكون سالكا المسلك المنهجي الصحيح يبدأ فيما نرى بأن يشترك فيه جميع المكوّنات السياسية والفكرية في البلاد، بعيدا عن أيّ نوع من أنواع الإقصاء، فكلّ التونسيين شركاء في الوطن، يتساوون في الواجبات والحقوق، بعيدا عن أن يرى من هو في موقع التمكّن السياسي أنّ معارضيه ليس في الحوار معهم سوى مضيعة للوقت، فإنّ فتنة التمكّن كثيرا ما تعمي الأبصار عن مشاهد لا تُرى إلا من خارج هذا الموقع، وبعيدا عن أن يرى من هو في المعارضة أنّ صاحب السلطان بتصرّفاته المتلاحقة لا ينفع معه حوار إلا أن يكون سعيا من أجل إسقاطه، فإنّ الابتلاء بالقهر قد يعمي الأبصار هو أيضا عن مشاهد لا تُرى إلا في مرآة صقلها محكّ الواقع وعركتها فتنة السلطان، والأمر في كلّ من هذا وذاك يحتاج إلى قدر كبير من الصبر، ونبض عال من الوطنية.

 

Publicité

Publié dans democratiemaintenant

Pour être informé des derniers articles, inscrivez vous :
Commenter cet article