Le Congres d'En-Nahdha en Exil
عبد المجيد المسلمي
لا شك أن المؤتمر الثامن لحركة النهضة الذي انعقد في المهجر يشكل حدثا سياسيا هاما. إذ تمثل الحركة الإسلامية في تونس رغم الوضع الخصوصي الذي تمر به مكونا أساسيا في الساحة السياسية. كما تمثل الحركات الإسلامية في البلدان العربية إحدى أعقد الإشكاليات التي تواجه عملية الانتقال إلى الديمقراطية في تلك البلدان. فهي من جهة حركات تتمتع بثقل شعبي يمكنها من تهديد الأنظمة العربية القائمة سواء عبر التحركات الشعبية أو عبر صناديق الاقتراع. و من جهة أخرى فهي حركات يعتبرها البعض مناقضة للديمقراطية و تهدد المكتسبات الحداثية التي حققتها المجتمعات العربية. و سنكتفي بمسائل ثلاثة من جملة القضايا التي تعرض له لها البيان الختامي للمؤتمر و تناولها المحللون بالدراسة.
المصالحة مع السلطة
ركز البيان الختامي على مسألة المصالحة الشاملة مع السلطة و تعرض إلى مفهوم الحركة للمصالحة و شروطها. و الواقع أن قضية المصالحة مع السلطة تثير منذ سنوات صراعات كثيرة بين الإسلاميين. و يعتبر العديد منهم أن الحركة استفادت من تغيير 7 نوفمبر 1987 . إذ تم إطلاق سراح قياداتهم من السجون و فيهم من كان محكوما بالإعدام و سمح لهم بإصدار صحيفة الفجر و بالنشاط السياسي العلني في حدود معينة بالإضافة إلى المشاركة في الانتخابات التشريعية سنة 1989 عبر القوائم البنفسجية.....
و يحمل شق من الإسلاميين المسؤولية لقيادة الحركة التي دخلت في مواجهة عنيفة مع السلطة في بداية التسعينات معتبرين إياها مغامرة أدت إلى القمع الذي تتعرض له منذ 15 سنة مذكرين بالتصعيد الذي اعتمدته الحركة و حتى بتسربها داخل الأجهزة الأمنية و العسكرية للسلطة . في حين يعتبر شق أخر أن الصدام فرض عليهم من طرف السلطة في خطة مدبرة لقمع الحركة و استئصالها بعدما تبين للسلطة عدم القدرة على التحكم فيها و احتوائها. و لذلك يطرح الإسلاميون المصالحة مع السلطة بعد المواجهة.
و لكن بعضهم يريدها مصالحة بشروط السلطة بالنظر للمسؤولية التي تتحملها الحركة في المواجهة في حين طرح المؤتمر الثامن مصالحة شاملة تقوم الاعتراف المتبادل و نبذ الاستئصال و الاحتواء. لا شك أنه من حق الإسلاميين ترتيب علاقتهم بالسلطة حسب أجندتهم الخاصة و حسب أوضاعهم الخصوصية و علاقتهم بالسلطة التي تراوحت بين المصالحة و المواجهة.
و لكن قضية المصالحة بين الإسلاميين و السلطة قضية تخص الطرفين و هي ليست قضية وطنية و لا مطروحة على جدول أعمال الحركة الديمقراطية و التقدمية كما يريد أن يوهم بذلك البعض. فالمعارضة الديمقراطية لم تعرف مسارا مشابها لحركة النهضة. و هي لا تجد نفسها بين خياري المصالحة أو المواجهة. إنها في خيار المعارضة. و هي معارضة إصلاحية جذرية تناضل من أجل إصلاحات سياسية جوهرية تؤدي إلى الانتقال إلى الديمقراطية – بما في ذلك حق الإسلاميين في المشاركة السياسية - و إصلاحات اقتصادية من أجل الرفع من نسق النمو و امتصاص البطالة و إصلاحات اجتماعية توزع ثمار النمو بطريقة عادلة و تحقق العدالة بين جميع شرائح المجتمع.
انفراج سياسي أم انتقال إلى الديمقراطية
توقف بعض المحللين عند تأكيد بيان المؤتمر الثامن لحركة النهضة على أن المهمة المرحلية للحركة تنصب على تحقيق الانفتاح السياسي و سكوته على مسألة الشرعية الدستورية و الانتقال إلى الديمقراطية . و يبدو أن الحركة تريد أن تنصب جهودها على إعادة البناء الداخلي و تصليب التكوين العقدي و نشر الدعوة الإسلامية مثلما صرح العديد من قادتها بذلك. و يمثل الانفتاح السياسي عبر تحقيق مطالب حركة 18 أكتوبر الثلاثة ( إطلاق سراح المساجين و تحرير الإعلام و حرية التنظيم للأحزاب و الجمعيات) مناخا ملائما لذلك. و في المدى المنظور لا تبدو الحركة معنية كثيرا بقضايا الانتقال الديمقراطي و شروطه و القوى المعنية به نظرا لمشاغلها الداخلية.
علاوة على أن قضية الانتقال الديمقراطي ليست القضية المركزية للإسلاميين. صحيح أن الانفراج السياسي مهمة تنشدها جميع القوى المناهضة للاستبداد. و لكن الديمقراطيون التقدميون لا يكتفون بذلك و إلا لما استلزم الأمر حزبا سياسيا و إنما مجرد جمعيات حقوقية و أهلية ترفع مطالب 18 أكتوبر. إنهم يتمسكون ببرنامج الانتقال إلى الديمقراطية كاملا حتى ينجز. و هذا البرنامج كما حدده المؤتمر الرابع للحزب الديمقراطي التقدمي يحتوي على نقاط خمسة:
المطالب الثلاثة لحركة 18 أكتوبر زائد الإصلاحات الدستورية و التشريعية التي تنظم الحياة العامة و تشكل الإطار القانوني و السياسي لقيام انتخابات حرة و نزيهة و هي النقطة الخامسة في البرنامج. فتحقيق الديمقراطية في بلادنا هو جوهر المشروع الديمقراطي التقدمي و الذي يمثل بالنسبة لبلادنا استقلالها الثاني. لقد حاولت السلطة أن تواجه مطلب تحقيق الديمقراطية بتحقيق تعددية سياسية و برلمانية شكلية أثبتت فشلها. و لا يمكن للانفراج السياسي المنشود أن يحل محل مهمة الانتقال إلى الديمقراطية التي تبقى المطلب الأساسي للتونسيين. و لا يعني ذلك أن تحقيقها سيقع دفعة واحدة. إنه مسار طويل قد يكون على مراحل و لكن هدفه ثابت و واضح: تحقيق الديمقراطية.
تمسك بالمنهج الأصولي
أكد المؤتمر الثامن الاعتماد على المرجعية الإسلامية و ما يعنيه من تقيد في جميع تصوراتها و مواقفها بما هو معلوم من الدين بالضرورة مضمنا في النصوص الشرعية القطعية مع التوسع في غيرها من الظنيات بالاجتهاد في شروطه المعتبرة. ويعد هذا الموقف نوعا من الحسم في ما دار من نقاش بين الإسلاميين عقب صدور وثيقة هيئة 18 أكتوبر حول المرأة بمناسبة 8 مارس. و قد يمثل هذا البيان خيبة أمل لدى البعض الذين عولوا و لا يزالون على الحوار مع الإسلاميين في إطار منتدى 18 أكتوبر حول قضايا حساسة مثل حرية المعتقد و الضمير و حول العقوبات الجسدية. و يفهم أن الإسلاميين غلبوا جانب الحفاظ على الرابط العقدي و الفكري الذي يربط الجماعة و يشد بنيان الحركة متفادين أي انفتاح فكري أو اجتهاد لغلق الأبواب التي تأتي منها الرياح و تفادي الانقسامات الدينية التي قد تنضاف إلى الانقسامات ذات الطابع السياسي
و هو و إن يظهر الطابع الأصولي الذي لا يزال مهيمنا على الحركة الإسلامية في تونس فإنه يوضح أن الحركة معنية أكثر بتصليب أوضاعها الداخلية أكثر من انفتاحها على الأخر و ربط الجسور مع شركائها خاصة أطراف حركة 18 أكتوبر. و الواقع أنه من باب التجني القول أن حركة النهضة تتعرض إلى ملاحقة فكرية أو ضغط و إحراج فكري في إطار حركة 18 أكتوبر. و إنما هو حوار طوعي حر علني و شفاف بين مناضلين من مختلف المشارب يشهد لهم الجميع بشرف نضالهم ضد الاستبداد و يتم في مقرات أحزاب ديمقراطية – التكتل، الديمقراطي التقدمي...- يشهد لها وقوفها إلى جانب الإسلاميين في محنتهم و دفاعهم الثابت عن حقهم في المشاركة السياسية. و كان أحرى بالإسلاميين المستنيرين و بالتقدميين منهم خاصة المبادرة بهذا الحوار و تطويره و الدفاع عنه لا كيل الاتهام له لأنه حوار ضروري لوطننا و لشعبنا.
خلاصة القول أنه و في هذه القضايا الثلاثة التي وردت في بيان المؤتمر الثامن حافظت حركة النهضة على طابعها المحافظ و التقليدي مفضلة الانكفاء على الذات و الانتظار و التوجه إلى داخل الحركة عوضا عن المجتمع. و طالبت بانفراج سياسي يمكنها من لململة صفوفها و إعادة بناء نفسها في هدوء مع مواصلة عملها الدعوي الديني و تصليب رباطها العقائدي مغلقة الأبواب على الاجتهاد في انتظار ظروف أفضل. قد تغري هذه الأجندا البعض و تتفق مع أهوائهم و ميولاتهم و توجهاتهم الفكرية و السياسية. فتراهم يدافعون عن المصالحة (بين من و من؟) و يكتفون بالانفراج برنامجا سياسيا و يؤجلون طرح قضية الديمقراطية والإصلاحات التشريعية و السياسية المطلوبة إلى أجل غير مسمى.
إلا أن الأجندا الديمقراطية التقدمية تختلف على ذلك. إن الحركة الاجتماعية الاحتجاجية التي عمت البلاد أخيرا و الصعوبات الاقتصادية و الأزمة السياسية لا تدعو إلى خفض سقف المعارضة بل على العكس من ذلك تتطلب رفعه حول ثلاثة مهام مترابطة: تحقيق الانفراج السياسي و النضال من أجل الإصلاحات الدستورية و التشريعية في أفق الاستحقاق الانتخابي لسنة 2009.
عبد المجيد المسلمي 4-7-2007 صحيفة الموقف